حيث يضيق سَمُّ الخياط… ويتسع أفق صدر الوطن الغفور الرحيم.. نقد النسق المعرفي للانفصال

 

 

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

 

ثمة أسئلة لا تُحسم بكثرة الإجابات، وإنما بحسن صياغتها. ولعل من أكثرها إلحاحًا في سياق قضية الصحراء المغربيّة: هل يكمن جوهر النزاع في تنازع المشاريع السياسيّة، أم في تنازع أنماط إدراك الدولة ذاتها؟

فقبل أن يكون الانفصال مطلبًا سياسيًا، قد يكون تعبيرًا عن بنية ذهنيّة تعيد تعريف الشرعيّة والانتماء والهويّة وفق نسق مغلق لا يعترف إلا بما يُنتجه هو ويُعيد تدويره، من معايير.

من هنا، يغدو الجدل حول وجود الانفصاليين أو نفيهم جدلًا ناقصًا؛ لأنه ينصرف إلى الظاهرة ويغفل بنيتها. فالوقائع السياسيّة لا تستمد أهميتها من مجرد حضورها أو غيابها، بل من قدرتها على إعادة إنتاج نفسها داخل الوعي الجمعي.

ولذلك، فإن السؤال الأجدر بالطرح ليس: هل يوجد انفصال؟ بل: كيف يُعاد إنتاج المخيال الانفصالي، رغم أن المجال السياسي والاجتماعي يتغير باستمرار؟ وما الذي يجعل بعض الأفكار أكثر مقاومة للواقع من الواقع نفسه؟

إن كل أيديولوجيا مغلقة تُعيد صياغة مفهوم الحقيقة على صورتها؛ فلا يعود البرهان معيارًا للحكم، بل يصبح الانتماء هو المعيار. وعندما يحدث ذلك، تتبدل وظيفة الحوار؛ إذ لا يعود وسيلةً لاكتشاف الحقيقة، وإنما آليةً لقياس درجة الولاء للنسق الفكري.

فهل يكون الخلاف، عندئذ، خلافًا في المواقف، أم خلافًا في شروط إمكان المعرفة ذاتها؟ وهل يمكن لمن يحتكر تعريف الحقيقة أن يعترف بشرعية المختلف، حتى قبل أن يتحاور معه؟

ولعل هذا ما يمنح الاستعارة القرآنية في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ دلالة تتجاوز التصوير البلاغي إلى أفق فلسفي؛ فهي لا تستحضر الاستحالة بوصفها نهاية؛ بل بوصفها سؤالًا عن حدود التحول.

فما الذي يستحيل حقًا: عبور الجمل من ثقب الإبرة، أم انتقال الوعي من يقينٍ أيديولوجي مكتفٍ بذاته إلى أفقٍ يعترف بإمكان العيش داخل وطنٍ يتسع للتعدد دون أن يتخلى عن وحدته وثوابته؟

هنا تحديدًا تتجلى خصوصيّة المقاربة المغربيّة؛ فهي لا تراهن، في جوهرها، على اختزال الاختلاف، بل على إدماجه ضمن منطق الدولة. إنها لا توسع حدود الجغرافيا، بل توسع إمكانات الانتماء.

وكأن الوطن يحاول، على سبيل المجاز، أن يجعل «سمَّ الخياط» أقل ضيقًا، لا لأن قوانين الاستحالة قد تبدلت، بل لأن الدول الواثقة من شرعيّتها لا تخشى أن تمنح المختلف فرصة العودة إلى فضاء العيش المشترك، ما دام المشترك نفسه غير قابل للمساومة.

غير أن هذا كله يعيدنا إلى سؤال قد يكون أكثر إرباكًا من غيره: هل تُقاس قوّة الدولة بقدرتها على هزيمة خصومها، أم بقدرتها على إنتاج فكرةٍ عن الوطن تجعل الخصومة أقل جاذبيّة من الانتماء؟

فالدول لا تنتصر، في نهاية المطاف، بالسلاح وحده، ولا بالقانون وحده، بل حين تتحول شرعيّتها إلى قناعة ثقافيّة، ويغدو الوطن إطارًا لتفسير المستقبل، لا مجرد حدودٍ على الخريطة.

لذلك، فإن الدفاع عن الوحدة الترابيّة لا يكتمل بتكرار المسلمات، وإنما بتجديد الأسئلة التي تُؤسس لها؛ لأن الأوطان لا يحرسها الإجماع الصامت بقدر ما يحرسها وعيٌ نقدي قادر على التمييز بين الاختلاف الذي يُثري الدولة، والقطيعة التي تنقض فكرتها من الأساس.

وبين ضيق سمِّ الخياط واتساع الوطن، يظل الرهان الحقيقي هو اتساع العقل لاستيعاب معنى الدولة، قبل الانشغال بإعادة رسم حدودها.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...