هيمنة الجهل الناعم: كيف تُصاغ الحماقة كقرار سيادي من خلال استبداد الضعيفين: الجهل والتملق؟
* الدكتور عبد الله شنفار
في دراسة وتحليل هذا الموضوع الذي قد يعصف بمسار الموظف الحكومي غدرًا في كل وقت وحين، ننطلق من سؤال مركب يطرح نفسه بإلحاح: هل يُمكن للجهل أن يتحوّل إلى قوة متحكمة؟ ومن أين يتسلّل الجهل والسذاجة إلى عقل السلطة؟
هل يمكن لجهلٍ فادح أن يتحول إلى أداة اختراق ناعمة لعقل المسؤول، تُلغي البوصلة المؤسساتية وتفرض عليه اختيارات عبثية؟ وهل الجهل، حين يتوشّح بلبوس التملق أو القداسة الاجتماعية، أشد فتكًا من العنف الصريح أو الفساد المباشر؟ وهل ما نظنه هامشًا غير عقلاني في بنية الدولة، هو في الحقيقة آلية تحكم موازية لها أثر خفي وحاسم على صناعة القرار؟
في زمن الأزمة البنيويّة للمعرفة داخل الفضاء العمومي، تتوارى الأطر الصلبة لاتخاذ القرار خلف ممارسات مائعة وشفهيّة؛ فيها يستقوي الجاهل على العارف، ويُقدَّم الدعاء على التخطيط، وتُستبدل الكفاءة بالمحاباة المبطّنة بالولاء. هنا لا نكون أمام فسادٍ معلن، بل أمام “شرعيّة سحريّة” تُهندس السلطة من الداخل بصمتٍ قاتل.
* الأمية المتزلفة: أي هندسة خفية لقرار السلطة؟
كيف تُصبح الأمية، في لحظة من اللحظات، عنصرًا موجّهًا للقرار العمومي؟
إن ما يُمارسه الجاهل المتزلف ليس مجرد تضليل، بل هندسة شعورية تُعيد تشكيل وجدان المسؤول، وتُعيد تعريف “الشرعية” وفق منطق العاطفة لا العقل. لا يظهر هذا الفاعل الهامشي في شكل منافس سياسي أو خبير مؤثر، بل كصوت مغمغم يُلبّس البساطة عباءة النقاء، ويُغري المسؤول بـ”حب الناس” أو “رضا الوالدين” أو “بركة الولي”.
هنا تتحول السلطة من جهاز عقلاني يفترض البرهنة والتخطيط، إلى هيكل مشاع تتقاسمه خطابات الإيحاء والمديح والتملق العاطفي. في هذا السياق، لا تُتخذ القرارات وفق مؤشرات الأداء أو دراسات الجدوى، بل عبر قراءة “الفاتحة”، أو عبر قصة تقطر دموعًا تنتهي بتوقيع مرسوم أو تعيين غير مبرر.
* أي علاقة بين الجهل الرمزي والقرار المؤسسي؟
هل تُعاني المؤسسة من هشاشة داخلية تجعلها قابلة للخرق الرمزي؟ حين يفقد القرار العمومي استقلاليته أمام سلطة الجهل الرمزي، تُطمس الحدود بين مؤشرات الفعالية وأوهام “القبول المجتمعي”.
لا يُعدّ الجهل هنا نقيضًا للعلم فحسب، بل يتحول إلى “سلطة بديلة”، تشتغل من تحت الطاولة، وتُعيد ترتيب الأولويات داخل الجهاز البيروقراطي على أساس “الانفعال الشخصي” لا “المصلحة العامة”.
ويحدث أن يُصبح الموظف أو المسؤول أداة في يد خطاب شحذته الثقافة الشفهية والامتثال العاطفي، لا المنطق الدستوري أو الإداري. فتُقدَّم القرارات كما تُقدَّم القرابين: بلا تمحيص، بل بروح الطاعة لسلطة “النية الطيبة” بدل كفاءة الأداء.
* في مديح الضعف: متى يصبح الضعفاء صنّاعًا للقرارات الغبية؟
أي دينامية تجعل من الجاهل المتملق قادرًا على تحريك أجهزة ثقيلة في الدولة؟
قال الشاعر:
“يا للضعيفين استبدا بي وما
في الظلم مثل تحكم الضعفاء”
وقد لا نجد وصفًا أكثر اختزالًا لحالة المسؤول الذي يخضع لحكم الأمّي، متوهمًا أن الاستجابة له نوعٌ من القرب من الناس أو تعبير عن التواضع. لكن الحقيقة أن هذا “الضعف” ليس بريئًا، بل هو استراتيجية اختراق عبر التودد، تفرض على المسؤول أن يُصغي للهمس أكثر مما يلتفت إلى التحليل.
هكذا تتعطل البوصلة المؤسساتية لصالح خطاب “النيّة”، وتُهمّش معايير التدبير لصالح “الفتحة المُقراة”. يتم إقناع المسؤول بأن الفعالية تكمن في “إرضاء الخواطر”، لا في ضبط المعايير. وتُصبح المشروعية مشتقة من لحظة عاطفية، لا من هندسة استراتيجية.
التأثير السماوي أم السحر الأزرق؟ قراءة سوسيو-فانونية للاختراق الرمزي
هل نحن أمام تأثير ديني/ثقافي ناعم، أم أمام شكل حديث من “الاستعمار الرمزي” الداخلي؟
ضمن مقاربة سوسيو-فانونية، يمكن النظر إلى هذا النوع من الاختراق بوصفه استعمارًا للعقل الرمزي للسلطة. ليس استعمارًا خارجيًا، بل داخلي المنشأ، يقوم على احتكار معاني الخير والنقاء والبركة، ليُفرض من خلالها تصور خاص لـ”الصواب السياسي” أو “القرار المقبول”.
نحن لا نواجه الجهل كغياب للمعرفة، بل كنظام رمزي موازٍ يُنتج ولاءات عاطفية وشرعيات بديلة، تُعطّل جهاز التفكير المؤسسي. وهذا ما يجعلنا أمام شكلٍ من “السحر الرمزي”، الذي يشبه ما سمّاه البعض بـ”السحر السماوي” أو “البركة الشعبية”، حيث يُفقد المسؤول استقلاله النفسي، لا عن طريق التهديد، بل بالانبهار الصامت.
* سؤال مصيري: كيف تحصّن الدولة قرارها من الاختراق غير المرئي؟
في ضوء ما سبق، يُطرح السؤال الجوهري: كيف يمكن للدولة أن تُحصّن عقل قرارها من الاختراق العاطفي الرمزي؟ وهل يكفي الاعتماد على المساطر والنصوص القانونية، أم أن الأمر يستوجب إعادة بناء ثقافة القرار على أسس معرفية ومنهجية لا تسمح بتسريب الأوهام إلى صلب العقل البيروقراطي؟
الجواب لا يكمن في سنّ مزيد من القوانين، بل في ترسيخ ثقافة مؤسساتية مقاومة للسحر العاطفي. فالجاهل، حين يُحسن التمويه، يصبح أخطر من العدو الظاهر؛ لأنه لا يستدعي اليقظة، بل يُستدخل بصفته ابن البيئة والنية الطيبة.
* خاتمة مفتوحة: أي دولة نريد، تلك التي تُدار بالعقل أم بالعاطفة الممسرحة؟
يبقى السؤال معلقًا: هل من الممكن أن تبني الدولة مشروعًا حديثًا للقرار العمومي دون التخلص من وهم “الشرعية الشفوية”؟ وهل بإمكاننا أن نعيد الاعتبار للعقل دون أن نتهم بالبرود أو الجفاء؟ وإلى أي مدى يُمكن للسلطة أن تُوازن بين الاندماج الرمزي داخل المجتمع، وبين الحفاظ على عقلانيتها المؤسسية؟
ربما لا تكمن خطورة الجاهل في ما يعرف أو لا يعرف، بل في قدرته على جعل الغير لا يفكر، فيسقط في السذاجة طواعيّة.





