بين أخلاقيّات التقاعد ومآزق ما بعد الوظيفة: سؤال المواطنة في الدول المتقدمة والناميّة
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه(*)
هل يرتبط التقاعد بانتهاء الدور أم بانبثاق مسئوليّة جديدة؟ وهل تمثل نهاية الوظيفة في الدول الوطنيّة المتعثرة انفكاكًا من الواجب، أم تعبيرًا عن خلل عميق في تصور الدولة لمواطنيها وأدوارهم التاريخيّة حيث ربطتها بالنهايات؟ ثم، ما الذي يجعل من المتقاعد، في بعض السياقات العامة، خطرًا محتملاً على الوطن، بدل أن يكون حارسًا لذاكرته وخبرته؟
لا تخطئ العين الرّاصِدة والفاحصة، للفوارق الجوهريّة بين ما يُنتظر من المتقاعد في السياقات المتقدمة، وما يُنتج عنه في فضاءات الدول المتأخرة أو المتعثرة في مشروعها الحداثي الوطني.
ففي الأولى، يُنظر إلى التقاعد لا بوصفه ختامًا، بل امتدادًا وظيفيًّا لدور الفرد، في إطار مدني متماسك، قائم على استمراريّة المساهمة في إنتاج المعنى والخبرة والمعرفة.
أما في الثانية، فغالبًا ما يتحول التقاعد إلى مسلك انكفاء، أو إلى منصة موازيّة للتسفيه والتشكيك والتبخيس والعدميّة والتواطؤ أحيانًا.
– أولًا: ما بعد الوظيفة… هل هو فراغ أم استدعاء للخبرة المتراكمة؟
في الدول التي بلغت قدرًا معتبرًا من الوعي المؤسساتي والسيادة الرمزيّة، لا يُسمح بأن تتحول الخبرة الوطنيّة إلى مادة للنسيان أو التبديد. فالمتقاعد؛ خاصة إن كان من الأطر العليا، أو من الشخصيّات العسكريّة أو التكنوقراطيّة؛ يُعاد دمجه في دوائر البحث، أو الاستشارة، أو التأطير الاستراتيجي. يُعاد تدوير تجربته في شكل حيويٍّ جديد، يضمن حفظ الذاكرة المهنيّة، ويمنع الفجوات السياديّة التي قد تَنتج عن انقطاع سلاسل ومسارات المعرفة والتجربة.
لكن السؤال المحرج يظل قائمًا: لماذا تفشل بعض الدول في تحويل التقاعد إلى طاقة إستراتيجيّة، بدل أن تُفرغه من أي مضمون؟ وهل يعود ذلك إلى اختلال في البنية السياسيّة، أم إلى خلل في تمثل الأفراد لأدوارهم ما بعد الوظيفة؟
– ثانيًا: من خدمة الوطن إلى نقد الزملاء الإساءة إليهم… أين تتسرب الأخلاقيّات؟
في بيئات غير مستقرة سوسيو-مؤسساتيًّا، يُلاحظ بوضوح ميل بعض المتقاعدين إلى الانتقال من خانة “الفاعل” إلى خانة “الناقد المهووس” أو حتى “المتربص السلبي”، بل قد يتحول البعض إلى مصادر تحريض وتبخيس تجاه رفاقهم الذين مايزالون في قلب العمل الوطني أو الإداري.
ومن المفارقات المؤلمة أن بعض هؤلاء يستنزفون ما تبقى من حضورهم الرمزي في إنتاج الأكاذيب ونسج الشائعات، أو الاصطفاف ضمن شبكات تآكل الثقة داخل الدولة.
هل هو تعبير عن خيبة نفسيّة؟ أم عن تراكم استياء مكبوت لم يجد مخرجًا مؤسساتيًّا راشدًا؟ أم أن المشكل أعمق، ويتعلق بغياب ثقافة “التقاعد الإنتاجي” نفسها، كجزء من البناء القيّميّ للدولة والمجتمع؟
ثالثًا: بين خيانة الذاكرة وخيانة الوطن… أين تنتهي حرية المتقاعد؟
لا يخفى أن في بعض الحالات المتطرفة، تتحول خبرة بعض المتقاعدين إلى مصدر تهديد مباشر، عبر تسريبات حسّاسة، أو تخابر مع جهات خارجيّة، أو اصطفاف في محاور إقليميّة معاديّة.
وهي ظاهرة تطرح أسئلة مقلقة حول حدود الانتماء بعد الوظيفة: هل الانتماء للوطن مشروط بالراتب والترقيّة والموقع والتمديد في مسار العمل؟ وهل يتحول بعض الأفراد، حين يخرجون من دائرة الضوء، إلى مشاريع انتقام رمزي وسياسي؟
قد يبدو هذا السؤال صادمًا، لكنه ضروري في مجتمعات ما تزال تعاني من ضعف المؤسسات الرقابيّة الأخلاقيّة، ومن غياب سياسات واضحة لحكامة وإدارة وتدبير مرحلة ما بعد الوظيفة.
فالوظيفة، في هذه السياقات، لا تُعدّ التزامًا وطنيًّا طويل الأمد، بل أحيانًا “صفقة وقتيّة”، ما إن تنتهي حتى ينكشف وجه آخر للفرد، أقل التزامًا وأكثر هشاشة أخلاقيّة.
– رابعًا: التقاعد كأزمة معنى في الدول المتعثرة تنمويّاً
تكشف هذه الانحرافات عن إشكال مركّب في دول الجنوب: أين يتوقف “الفرد الوطني” ويبدأ “الفرد المتسيِّب”؟ وما الذي يمنع استمرار الدولة في مرافقة رموزها وكفاءاتها حتى بعد مغادرتهم المؤسسات؟
إن غياب مشروع حقيقي لإدماج المتقاعدين في شبكات الدعم المعرفي أو الاستشاري، هو ما يجعل منهم أحيانًا ضحايا للتمدد في الفراغ، أو بيادق في يد أطراف لها مصلحة في خلخلة الدولة من داخلها.
وهذا ما يبرز الحاجة إلى تصور جديد لتدبير مرحلة ما بعد التقاعد، لا بوصفه خروجًا من الخدمة، بل بوصفه انتقالًا إلى نمط جديد من العطاء، تُراعى فيه شروط الكرامة، وتُبنى فيه جسور التقدير، وتُستثمر فيه التراكمات.
– خامسًا: نحو إعادة تأطير المواطنة ما بعد الوظيفة
ثمة حاجة ماسّة اليوم إلى تجاوز النمط التبخيسي ونشر الفكر العدمي والتشكيك والتحريض والإساءة والوشاية؛ لمفهوم التقاعد، والتأسيس لثقافة جديدة تدمج الكفاءات المتقاعدة ضمن إستراتيجيّة الدولة في التخطيط والاستباق والتوجيه العام.
فالعقل الاستراتيجي لا يُحال على التقاعد، والخبرة لا تنتهي بقرار إداري، والوفاء للوطن لا يُقاس بنهاية المرتب أو الزي الرسمي.
من هنا، فإن الإشكال الحقيقي ليس في المتقاعد كفرد، بل في الثقافة التي تفرغه من أي وظيفة بعد الوظيفة، وتتركه إما نهبًا للعدميّة أو حطبًا لصراعات جانبيّة. والمفارقة أن الدول التي تربط مشوار موظفيها بالنهايات؛ ولا تعرف كيف تُكرّم أبناءها في وقت العطاء، غالبًا لا تعرف كيف تحميهم في وقت العزلة.
– خلاصة واستنتاجات مفتوحة: هل يمكن أن نعيد للتقاعد معناه السيادي؟
إن السؤال العميق الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس عن تقاعد الأفراد، بل عن تقاعد الدولة نفسها عن مسؤولياتها في التأطير والاحتواء والمواكبة.
هل تستطيع الدولة أن تخلق منظومة “وفاء مؤسساتي” للمتقاعدين؟ وهل يمكن تحويل هذا الرصيد البشري الضخم إلى خط دفاع رمزي واستراتيجي عن الوطن، بدل أن يصبح بعضه مادة للفتنة والتفكك والتسريبات؟
هكذا، يصبح التقاعد في الدول المتقدمة استمرارًا للمواطنة، وفي الدول المتعثرة اختفاءً لها، إلا إذا أعيدت هندسة العلاقة بين الدولة وذاكرتها البشريّة بما يليق بتاريخها وسيّادتها.
* إدماج المتقاعد: من الاستكانة إلى العطاء
في مواجهة الأزمات المتعددة التي تعيشها الدول الناميّة، لم يعد التقاعد نهاية وظيفة، بل بات اختبارًا لمقدار ما تحتفظ به الدولة من ولاء رمزي وخبرة إستراتيجيّة. فبدل أن يتحول المتقاعد إلى عبء أو كائن عدمي، ينبغي التفكير فيه كفاعل اجتماعي-معرفي، لا يزال قادرًا على الإسهام في التنميّة والتوجيه والاستشراف.
في هذا الإطار، نقترح تسعة مسارات عملية مبتكرة، قابلة للتطبيق والتنزيل:
1. استغلال بنك الذاكرة الوطنيّة:
تأسيس منصة رقميّة وميدانيّة تستقبل شهادات المتقاعدين وفق ملفاتهم المهنيّة، تُحوَّل إلى وثائق معرفيّة ومناهج داخليّة تُفيد الأطر الجديدة، وتُحصّن الذاكرة المؤسسيّة من التبديد.
2. اللجوء إلى عقود استشاريّة ما بعد التقاعد:
اعتماد نظام مباريات دوريّة تمنح المتقاعدين عقودًا مؤقتة في الاستشارة والتأطير، وفق معايير الابتكار والخبرة، بدل ربط الفعاليّة بالمنصب فقط.
3. منح جواز المتقاعد الوطني:
بطاقة امتياز تُمنح بناءً على المساهمة الفعلية بعد التقاعد (تأطير، مقترحات، عمل تطوعي)، تُخول لمستحقيها خدمات خاصة، تحفيزًا وتكريمًا مبنيًا على الجدوى لا على العمر.
4. إحداث حاضنات المتقاعدين للمشاريع الناشئة:
فضاءات جامعيّة وتنمويّة يُدمج فيها المتقاعدون كموجّهين لتجارب الشباب الرياديّة، بما يخلق تفاعلًا بين الأجيال ويمنح المتقاعد دورًا تربويًا مواكبًا.
5. تأسيس شبكات علاقات الحكماء المحليّين:
تأسيس مجالس غير تنفيذيّة من متقاعدين خبراء، تُدلي بآرائها الاستشاريّة حول القضايا المحليّة، ما يُضفي شرعيّة رمزيّة على القرار ويعزز الحكامة التشاركيّة.
6. إنشاء منصّات التقاعد المقاولات:
دعم المتقاعدين الراغبين في إطلاق مشاريع إنتاجيّة أو مجتمعيّة، عبر توفير التأطير القانوني والتقني والتمويل الجزئي، وتحويلهم من مستهلكين للمعاش إلى فاعلين اقتصاديّين.
7. التأثير في مسلسل ومسارات الإبداع المتأخر:
برنامج لدعم المتقاعدين في إنتاج أعمال ثقافيّة وفنيّة وتوثيقيّة، تعبيرًا عن أن العطاء لا يتحدد بزمن الوظيفة، بل قد يزدهر بعدها.
8. برنامج الاعتراف المعكوس:
تكريم سنوي للمؤسسات التي تحافظ على صلات وظيفيّة أو استشاريّة مع متقاعديها، تشجيعًا لثقافة الوفاء المهني والتقدير الممتد.
9. نوادي التأمل الاستراتيجي:
مختبرات فكرية يقودها متقاعدون لتحليل التحديات الوطنيّة، واقتراح حلول ورؤى، تُنشر في تقارير دورية موجّهة لصناع القرار.
* خاتمة:
لم يعد السؤال: كيف ندير المتقاعد؟ بل: كيف نستثمره؟ ففي كل متقاعد وطني إمكانية مستقبل، وفي كل ذاكرة مهنيّة طاقة إستراتيجيّة كامنة مهدورة.
الدولة القادرة على تحويل التقاعد من انسحاب إلى امتداد، هي الدولة التي تحسن حفظ ذاكرتها، وصيانة كفاءاتها، وتثمير رأسمالها البشري حتى الرمق الأخير.
____
(*)- نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





