كزافييه كوبولاني وصناعة الفراغ الجغرافي: في تفكيك الخرائط الاستعماريّة وإعادة إنتاج المجال السياسي المغاربي
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
– مدخل تأسيسي: حين يتحوّل الخط المستقيم إلى قدر جيوسياسي
هل ترسم الخرائط الدول، أم أن الدول تفرض خرائطها بأثر رجعي لتُخفي عنف التأسيس؟ وما الذي يجعل من ترسيمٍ استعمارٍي بسيطٍ على ورق الجيوش، أساسًا لشرعيّة سياسيّة لاحقة؟
ليست هذه أسئلة تاريخيّة محضة؛ بل محاولة لكشف اللحظة التي تحوّلت فيها المعرفة إلى استعمار ناعم، والمجال إلى فراغ مُفترض وجب ملؤه بسلطة جديدة.
في هذا السياق العام، يظهر اسم (كزافييه كوبولاني)، ليس فقط كضابط ميداني فرنسي، بل كمهندس لنموذج جغرافي سياسي يعيد تشكيل المجال المغاربي على أنقاض أنماط سيادة تقليديّة.
– أولًا: كوبولاني وهندسة “الفراغ” الرمزي: الزوايا الصوفيّة كمجال سيادة مستهدف
إلى أي مدى يمكن اعتبار بناء الكيان الموريتاني فعلًا استعماريًا محضًا لا يعكس تحوّلًا ذاتيًا في البنية السياسيّة للمنطقة؟
منذ حلوله بالسودان الفرنسي سنة 1898، لم يتصرف كوبولاني كموظف إداري، بل كمخطط جيو-أنثروبولوجي مسكون بهاجس السيطرة على شبكة الزوايا الصوفيّة، باعتبارها النسيج المؤسِّس لامتداد السيادة الرمزيّة للمخزن المغربي جنوب الأطلس.
في كتابه المرجعي (Les confréries religieuses musulmanes)، لم يكتف بجمع المعطيات حول التصوُّف، بل رسم خريطة استخباراتية دقيقة للبنى الاجتماعيّة والروحيّة التي كانت تقاوم التشظي السياسي. فما قام به، بحسب المؤرخة (جنيفيف فيويومان)، هو تحويل الزوايا من فاعل ديني-اجتماعي إلى “قضية أمنيّة” ينبغي ضبطها معرفيًا قبل تطويعها عسكريًا.
لكن، هل كانت هذه المعرفة الإبستيمولوجيّة بريئة؟ أم أنها شكّلت الحاضنة النظرية لتفكيك السيادة الترابيّة، عبر نزع الشرعيّة عن البنيات التقليديّة غير المُمركزة؟
– ثانيًا: الزوايا الصوفيّة والبيعة: سيادة شبكيّة في مواجهة هندسة الخطوط
هل تمثّل الزوايا نمطًا بديلًا من السيادة خارج منطق الدولة الترابيّة؟
قبل أن تُرسم الحدود بالمسطرة فوق خرائط القيادات العسكريّة الفرنسيه، كانت السيادة في الجنوب تُمارس عبر شبكات ولاء ديني وبيعة رمزية، تتجاوز منطق المركز وتعيد تعريف المجال من الداخل.
الزوايا الصوفيّة الكبرى، وعلى رأسها زاوية الشيخ ماء العينين، لم تكن مجرد طرق صوفيّة دينيّة، بل مراكز إشعاع سياسي واجتماعي عابر للقبيلة.
لقد شكّلت امتدادًا عضويًا للمخزن المغربي، من دون أن تذوب فيه كليًا، مما منحها موقعًا رماديًا بين الدولة والمجتمع. وهذا ما جعلها مستهدفة بالضبط: إذ لا يمكن استيعابها ضمن النموذج الكولونيالي إلا عبر تفكيك منطقها وتمفصلاتها الداخليّة.
فهل كان انهيار هذا النمط الزوايي ناتجًا عن ضعفه الهيكلي؟ أم عن تحوّل الخرائط نفسها إلى أدوات لإلغاء التمثّل الرمزي للسلطة في المجال؟
– ثالثًا: خرائط من ورق: من التخطيط العسكري إلى إنتاج الدولة
هل يمكن لدولة أن تُولد من خريطة؟ سنة 1904، تلقى كوبولاني أوامر من رئيس الحكومة الفرنسية بإعادة هندسة جنوب المغرب سياسيًا. فكان أن رسم على مكتبه في سان-لويس حدود كيانين: “موريتانيا الغربية” و”الصحراء الغربية”. خطوط مستقيمة بدت وكأنها تُبتر الذاكرة لا الأرض فحسب، وتُعلّق سيادة الخرائط على مشجب الدولة المقبلة.
هذا الترسيم لم يكن فعلاً إداريًا عابرًا، بل لحظة تأسيس ميتافيزيقية لكيانات لم تكن موجودة قبل تدخل القلم الكولونيالي. فهل يمكن بعد ذلك الحديث عن “سيادة” تتجاوز من أنشأها؟ وكيف نتعامل مع واقع سياسي نشأ على أساس خطوط لا على أساس شعوب؟
– رابعًا: مقاومات رمزيّة بلا تراب: حين تصبح البيعة فعلًا جيوسياسيًا
هل كانت مقاومة الزوايا فعلاً دفاعيًا أم مشروعًا سياسيًا موازيًا؟
لقد واجه مشروع كوبولاني مقاومة من ثلاثة مراكز زوايا:
1. الشيخ ماء العينين،
2. الشيخ سعد بوه،
3. والشيخ سيدي بابا.
هذه القوى لم تعتمد السلاح وحده، بل شرعت في حشد الرمزية، وإعادة تأويل البيعة كوسيلة لتوحيد القبائل على قاعدة ولاء سياسي عابر للجغرافيا الاستعمارية.
لقد مثّلت الزوايا شكلًا متقدّمًا من المقاومة الرمزية، غير أن مفعولها السياسي ظل محصورًا في بعدها القيمي، مما جعلها عاجزة عن مجاراة آليات التفتيت الإداري الحدودي.
فهل خسرت الزوايا المعركة لأنها لم تكن تُدرك منطق الدولة الحديثة؟ أم لأنها كانت تُراهن على ذاكرة مشتركة لم تعد تكفي أمام سلطة الخريطة المدعومة بالبندقية؟
خامسًا: حين تُصبح الخريطة قدرًا: في منطق السيادة المؤجلة
هل يمكن اليوم تحرير الجغرافيا من الذاكرة الاستعمارية؟ يبدو أن ما فعله كوبولاني لم يكن مجرد ترسيم حدود، بل تفكيكًا منهجيًا للسيادة المغربية التاريخيّة في الجنوب، عبر نزع الشرعيّة الرمزيّة التي مثّلتها الزوايا.
وحتى حين تنازلت فرنسا عن “الصحراء الغربية” لصالح إسبانيا، ظلت الحدود الكولونياليّة قائمة، تُربك كل محاولات إعادة بناء المجال ضمن منطق وطني موحّد. أليس هذا تأكيدًا على أن الجغرافيا قد تُصاغ خارج إرادة سكانها، وتُحوّل إلى معطى فوقي تُبنى عليه السياسات والسرديات؟
– سادسًا: بين فقه الدولة وفقه الجماعة: الفتوى حين تُغفل السياق العام
هل يُطلب من الفقيه أن يُفتي بمنطق الجماعة العابرة للحدود، أم ضمن الدولة الحديثة بصفتها الحاضن الشرعي للأمة؟ تصريح الشيخ محمد الحسن ولد الددو حول الصحراء المغربية يكشف تناقضًا بين تصور فقهي كلاسيكي وتمثل حديث للسيادة.
ففي حين ترتكز الدولة الوطنيّة المعاصرة على منطق السيادة القانونية والاعتراف الدولي، لا يزال بعض الفقهاء يتعاملون مع الجغرافيا الإسلامية كجسد رمزي موحد، متجاهلين أن ذلك التصور يُفضي إلى فوضى سياسية، ويُبرر دون قصد، تدخلات خارجيّة باسم التضامن الديني.
فهل ما زال الفقيه معفيًا من فهم التوازنات الجيوسياسية؟ أم أن فقه المرحلة يقتضي إعادة تأهيل الخطاب الديني بمنطق الدولة لا بمنطق الجماعة؟
– سابعًا: نحو فقه بذاكرة سياسية: بين البيان الشرعي وإدراك المآل السيادي
ما الحاجة اليوم إلى فقه يُدرك التاريخ ولا يتجاهله؟ إن ما صدر عن الشيخ الددو، رغم مقامه العلمي، يكشف غيابًا مقلقًا للوعي بالمآلات. إذ كيف يمكن لفقيه أن يُصدر فتوى في قضيّة ذات حساسية سيادية دون معرفةٍ معمقة بالجذور الجغرافية، والمسارات القانونيّة، والتراكمات الرمزية التي رسخت مغربية الصحراء؟
أليس هذا تغافلًا عن مسؤولية الكلمة، وتفريطًا ضمنيًا في وحدة المجال المغاربي، الذي لا يزال ضحية لمشاريع تفتيتيّة تُدار باسم تقرير المصير، بينما تُنتج مزيدًا من الانقسام والتبعيّة؟
– خلاصة مفتوحة: حين تُفقد الفتوى شروطها: أي دور للفقيه في زمن الخرائط؟
هل تظل الفتوى حجة إذا فُقدت شروطها المعرفية والسياسية؟ وهل يُعقل أن يستمر الفقيه في إصدار أحكامه خارج سياق الدولة، ودون إدراك لتعقيدات الجغرافيا السياسية؟ إن تصحيح الزلة الفقهية لا يكون بالخصومة، بل بإعادة توجيه الخطاب نحو المقاصد الكبرى: صون السيادة، حفظ المجال، وتثبيت الشرعية بمفهومها المركب.
ربما يكون السؤال الأعمق هو: هل نحتاج إلى فقه جديد لا يُقدّس الخرائط، ولكن أيضًا لا يتجاهلها؟ فقه لا يُنتج الانقسام باسم المبادئ، بل يُعيد وصل ما قُطع، بوعي تاريخي، وضمير استراتيجي، وعقل سياسي يميّز بين الشرعي والمشروع، وبين البيان والانحياز.
***************
(*)– نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





