“مناظرة عصيد ولحلو… حين تصطدم الأيديولوجيا ببرودة العقل العلمي”

 

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا

 

 

 

بصفتي من أبناء الجالية المغربية المقيمة في أوروبا، تابعت باهتمام بالغ المناظرة الفكرية التي جمعت الأستاذ أحمد عصيد بالدكتور طلال لحلو، والتي عُرضت على قناة ميدي1 ضمن سلسلة برامج فكرية تعكس نوعًا من التعددية في النقاش العمومي بالمغرب.
هذه المناظرة لم تكن مجرد مواجهة كلامية بين رأيين متباينين، بل كشفت عن تباعد في الخلفيات المعرفية، وفي مناهج التفكير، وفي ما يمكن أن نسميه “نوعية الاشتباك مع الأسئلة الكبرى” التي تشغل الرأي العام المغربي، وخاصة في قضايا الهوية، الدين، الاقتصاد، والحداثة.

الانطباع الأول الذي خرجتُ به من متابعة هذا الحوار، هو غياب التكافؤ المنهجي بين المتناظرين.
الدكتور طلال لحلو اعتمد خطابًا تحليليًا عقلانيًا، قائمًا على الأرقام والمعطيات والمفاهيم الاقتصادية الدقيقة. وقد بدا واضحًا أن خلفيته الأكاديمية، وتكوينه المتين في مؤسسات علمية دولية، مكنته من تفكيك القضايا التي طُرحت بمنهج نقدي، يستند إلى المقارنة، والاستدلال، والحفر في البُنى العميقة للمنظومة الاقتصادية المعاصرة.

في المقابل، جاء خطاب الأستاذ عصيد أقرب إلى التوصيف الأدبي والأحكام القيمية، دون أن يقدّم سندًا معرفيًا دقيقًا أو تحليلًا رقميًا مضادًا. خطابه، وإن كان حادًا ومألوفًا من حيث النبرة والأسلوب، بدا في لحظات عديدة أقرب إلى الإنشاء الأيديولوجي منه إلى التحليل الموضوعي.

أهمية هذه المناظرة أنها أخرجت النقاش من الفضاء النخبوي المغلق إلى فضاء عمومي واسع، حيث تكون الكلمة للمنطق، لا للشهرة. في هذا السياق، استحضرتُ مقولة هابرماس:

“لا يرقى الفكر إلا حين يُمتحن في الفضاء العمومي، الخاضع للعقلنة والحجج المقنعة.”
وقد بدا هذا الاختبار جليًا في مناظرة لحلو وعصيد. لحلو، الذي لا يحظى بنفس الحضور الإعلامي الذي يتمتع به عصيد، استطاع أن يفرض نفسه من خلال أدوات الحجاج الأكاديمي الصارم. وهذا يُعيدنا إلى سؤال ملحّ:
هل الإعلام العمومي المغربي يتيح فعليًا فضاءً تعدديًا للأفكار؟ أم أنه يعيد إنتاج نفس الوجوه، ونفس الخطابات، بطريقة تُقصي أصواتًا جديدة قادرة على تقديم بدائل عميقة؟

المناظرة جرت باللغة الفرنسية، وهو ما أفرز تباينًا آخر على مستوى الكفاءة اللغوية والمعجم المفاهيمي. طلال لحلو أبان عن تمكن لافت من اللغة، ليس فقط كوسيلة تعبير، بل كبنية مفاهيمية تُساعد على تفكيك الإشكالات انطلاقًا من مرجعياتها الأصلية.
أما الأستاذ عصيد، فقد بدا أضعف في هذا الجانب، ما أثّر بشكل واضح على قدرته في الدفاع عن أطروحاته، خصوصًا عندما احتدم النقاش حول المرأة، الاقتصاد، والرأسمالية الغربية.

المؤشرات الرقمية – على الرغم من أنها ليست معيارًا وحيدًا – كشفت عن تفاعل غير مسبوق مع مداخلة الدكتور لحلو. فقد تجاوز عدد مشاهدات المناظرة على القنوات والمنصات الاجتماعية مئات الآلاف، ومالت نسبة كبيرة من التفاعل لصالحه.
هذا يدل على أن الجمهور المغربي، داخل الوطن وخارجه، ما زال متعطشًا لنقاش عقلاني رصين، يتجاوز الإثارة، ويقترب من الجدية. وهو ما يتناقض مع الفكرة السائدة بأن “الجدية لا تُشاهَد”.

من موقعي كإعلامي يتابع باهتمام قضايا الفكر والهجرة والثقافة، أرى أن هذه المناظرة كشفت حجم الغبن الإعلامي الذي تتعرض له كفاءات علمية مغربية بالخارج. فطلال لحلو، رغم خلفيته الأكاديمية الرفيعة، لم يُمنح فرصًا في الإعلام العمومي المغربي، إلا حين أُقحم في مناظرة علنية.
ومع ذلك، فقد استطاع أن يُثبت أن عمق الفكرة لا يحتاج إلى ترويج، بل فقط إلى منبر نزيه.

المناظرة لم تكن صراعًا بين إسلامي وعلماني، أو بين محافظ وحداثي، بل كانت امتحانًا لنوعية الخطاب في المجال العمومي.
لقد انتصر من قدّم حججًا دقيقة، مدعومة بالمعرفة والتحليل. وهذا – في نظري – هو ما يحتاجه الفضاء العمومي المغربي اليوم:
صوت علمي هادئ، لا يرفع شعارات، بل يقدم حلولًا.
نقاش حر، لا يُقصي المختلف، بل يُصغي له.
إعلام منفتح، لا يُعيد إنتاج الأصوات نفسها، بل يُنصت لنبض الجيل الجديد.

مناظرة عصيد ولحلو كانت فرصة ثمينة لإعادة الاعتبار لقيمة الحوار، ولضرورة إعادة تشكيل مشهدنا الثقافي على أسس الحجاج، لا الانفعال. وقد آن الأوان أن نُعطي للكفاءات المغربية بالخارج موقعها الحقيقي في النقاش العمومي، بما تملك من زاد أكاديمي ورؤية منفتحة على العالم.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...