عبد القادر الفرساوي
في مدن الساحل الإفريقي، حيث تختلط حرارة الصحراء برطوبة الأمطار القصيرة، وحيث تبدو الحياة كأنها على حافة النسيان، يظهر لاعب جديد يخط حضوره بهدوء لافت: تركيا.
لم تعد أنقرة بالنسبة لشعوب المنطقة مجرد صور في نشرات الأخبار أو ذكريات تاريخية عن أمجاد العثمانيين، بل صارت ضيفا دائما في المطارات الجديدة، في الطرق المعبدة التي تشق القرى، وفي أصوات الطائرات المسيرة التي تراقب السماء.
في واغادوغو، في باماكو، وفي نيامي، يمكن للمرء أن يرى أثرا تركيا واضحا: فندق فاخر يحمل توقيع مقاولين أتراك، طريق سريع بنته شركة هندسية من إسطنبول، ومطار حديث يرفع اسم تركيا في لوحات الافتتاح. كل هذا لم يأت من فراغ، بل من سياسة دقيقة تستغل الفراغ الذي خلفه انسحاب قوى تقليدية مثل فرنسا، وتراجع اهتمام الولايات المتحدة بعد سلسلة الانقلابات التي هزت المنطقة.
تقدم تركيا نفسها كشريك عملي، لا يعظ كثيرا ولا يطرح شروطا سياسية معقدة. بدلا من الوعود الطويلة، ترسل طائرات بيرقدار TB2 وأقنجي التي غيرت أسلوب القتال في المنطقة، وأعادت للجيوش المحلية ثقتها بأن بإمكانها مواجهة جماعات مسلحة كانت تتحرك بحرية منذ سنوات. هذه الطائرات المسيرة، إلى جانب المركبات المدرعة وأنظمة المراقبة، جعلت تركيا لاعبا أساسيا في أمن المنطقة، حتى أن بعض العواصم باتت ترى في أنقرة حليفا أوثق من شركاء الأمس.
لكن ما يلفت النظر هو أن الحضور التركي لم يتوقف عند الجانب العسكري. فأنقرة تعرف أن النفوذ لا يبنى بالسلاح وحده. لذلك توسع استثماراتها في مشاريع البنية التحتية: طرق، مطارات، فنادق، ومجمعات تجارية. في نيامي وحدها، شيد الأتراك فندقا خمس نجوم ومطارا حديثا، ويمتد عملهم إلى مشاريع طاقة وتعليم. وكالة التعاون التركية “تيكا” تفتح مدارس وتقدم منحا دراسية، فيما يواصل الأئمة الأتراك تقديم برامج دينية معتدلة تمولها رئاسة الشؤون الدينية في أنقرة، في محاولة لصياغة حضور ثقافي ناعم يكمل الحضور الأمني.
وراء هذا النشاط الرسمي، تتحرك شركات أمنية تركية مثل “صادات”، التي يرى فيها بعض المحللين ذراعا موازية للدولة، تدرب وحدات حماية خاصة وتقدم استشارات لحماية منشآت استراتيجية مثل المناجم والطرق الدولية. ورغم الجدل الغربي حول طبيعة هذه الشركات، إلا أن الدول المستفيدة ترى فيها دعما عمليا يمنحها قدرة سريعة على مواجهة تحديات معقدة.
تركيا تعرف جيدا أن المنافسة في الساحل شرسة: روسيا تمددت عبر مجموعة فاغنر و عبر فيلق إفريقيا، الصين تبني الموانئ والطرق، حتى الإمارات تحاول فرض حضور اقتصادي وأمني. ومع ذلك، تبدو أنقرة مختلفة؛ فهي تقدم نفسها كشريك “يفهم” خصوصية المنطقة، يشاركها الدين في بعض الأحيان، ويركز على حلول سريعة لا تنتظر سنوات طويلة من الدراسات البيروقراطية.
في الأسواق الشعبية لباماكو، حيث تباع التوابل بجانب الهواتف المستعملة، يتحدث التجار عن “الطريق التركي” الذي اختصر ساعات من السفر، وعن مشاريع المياه التي بدأتها شركات صغيرة ممولة من أنقرة. وفي المقاهي القريبة من مقار الحكومات، يتحدث الجنود بفخر عن الطائرات المسيرة التي ساعدتهم على استعادة السيطرة على مناطق كانوا فقدوها منذ سنوات. هذه القصص الصغيرة تعكس صورة كبيرة: تركيا لم تأت لزيارة قصيرة، بل لبناء حضور طويل الأمد.
مع ذلك، يظل السؤال مفتوحا: هل سيحوّل هذا الحضور التركي واقع الساحل المضطرب إلى استقرار حقيقي؟ أم سيبقى مثل موجات أخرى من التدخلات التي تبدأ بوعدٍ كبير وتنتهي بنهاية باهتة؟ لا أحد يملك الجواب الآن، لكن المؤكد أن أنقرة أعادت رسم جزء من الخريطة الإفريقية بملامح جديدة، وأن مشهد طائرة تركية تحلق فوق رمال الساحل بات رمزا واضحا لمرحلة لا تشبه ما قبلها.
في المساء، حين تهدأ أصوات الأسواق وتخفت صرخات الباعة في شوارع باماكو وواغادوغو، يرفع أحد الجنود بصره نحو السماء ليرى وميض طائرة مسيرة تعبر ببطء. لا يعرف إن كانت تحميه أم تراقبه، لكنه يشعر بشيء غريب يشبه الأمان. في قرية صغيرة على أطراف النيجر، يجلس أطفال على مقاعد مدرسية جديدة تحمل شعار تركيا، يكتبون حروفهم الأولى على ألواح بيضاء بينما يتأمل معلمهم أن هذه المقاعد قد تغير مصيرهم أكثر من أي بندقية.
هذا هو المشهد الذي ترسمه تركيا اليوم: مزيج من الحديد والطبشور، من أصوات الطائرات وأحلام الصغار. مشهد يثير الأمل والخوف في آن واحد، لكنه يكشف أن الساحل لم يعد مجرد صحراء للنزاعات، بل مختبرا للأحلام الكبيرة التي تختبر نفسها على أرض هشة كحبات الرمل.





