* الدكتور عبد الله شنفار
ننطلق من السؤال المنهجي: ما الذي يجعل الفتوى تتحوّل من هداية إلى أداة هيمنة؟ وهل يمكن للدين أن يضيء الواقع إذا فُصِل عن أدوات فهمه؟ ثم، كيف تتواطأ هشاشة الوعي مع جهالة القول لتنتج “جهلاً مقدّسًا” يصوغ مصائر الناس؟ وهل يكفي حمل العمامة ليُؤمَن لصاحبها القول؟ وهل صار الصمت اليوم ضرورة معرفية في زمن التفريط بالمقامات؟
إن الخلل لا يكمن في غزارة الفتاوى فحسب، بل في هشاشة البنية العقلية لمُنتِجها ومُتلقّيها على السواء. وهنا تُطرح أسئلة مصيرية حول المعايير، والشرعية، وحدود الاجتهاد، في زمنٍ تداخلت فيه العمامة مع الميكروفون، والمقصد الشرعي مع الحسابات الدعائية
– أولًا: فتوى بلا أرض… من يُفتي لغير أهله؟
هل يمكن أن تستقر الفتوى في أرضٍ لم تُفهم تضاريسها، ولم تُستوعب ثقافتها الاجتماعية؟ وهل يمكن أن تكون للقول الشرعي وجاهة، حين يُفصَل عن الواقع الذي يُفترض أن يُضيئه؟
تلك إحدى أبرز الإشكالات التي تحوّلت إلى معضلة مركبة في زمننا: أن يُفتِي بعض المشايخ دون اعتبار لا لسياق، ولا لخصوصية مجتمعية، ولا لتعقيد سوسيو-ثقافي، فتأتي فتاواهم كالحكم على أناس لا يعرفونهم، ولا يعايشونهم، بل لا يفقهون وجعهم اليومي.
ليست المشكلة في القول الديني من حيث هو، بل في أن يتحوّل إلى سلطة ناطقة باسم الله دون أدواته، فيُربَط مصير الناس بأقوال لا نص فيها، ولا إجماع، ولا مقصد شرعي، بل في كثير منها خلطٌ بين الهوى والتقليد. في مثل هذه السياقات، تصير الفتوى مدخلاً للمظلومية، لا مرجعًا للهداية، ويُسْتَدعى بها الاستبداد الناعم باسم “الدين”.
– ثانيًا: هشاشة الوعي وإدمان الاتّباع… من يصنع من؟
أيّهما يصوغ الآخر: فتاوى العجز أم عجز الوعي؟ وهل تصدر الفتاوى الهشة فقط لأن من يُفتون كذلك، أم لأن من يتلقّونها يفتقرون إلى مناعة عقلية ونضج إيماني؟
إنها معادلة جدلية لا تنفكّ: وعيٌ هشّ يطلب اليقين السهل، ومُفتٍ جاهل يُعطيه من فقره فتوى تُطمئنه زيفًا، فيدفع ثمنها الفرد والمجتمع. وما بين الطرفين، يتكرّس منطق التدين الانفعالي، القائم على الخوف من العالم، لا على فهمه.
النتيجة أن بعض الفتاوى ـ وإن بدت دينية ـ تُنتِج آثارًا اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية، تُرسّخ الإقصاء، وتُغذّي الانغلاق، وتُبرّر التبعية، بل وتعيق مشاريع التقدّم الحضاري، لأنها تنطلق من نصّ لم يُفهم، أو من واقع لم يُقرأ، أو من عقل لم يُدرّب على التفكيك والتركيب.
ثالثًا: علم الدين بين قداسة النص وخفّة التأويل
هل يجوز أن يُستباح القول في الدين دون أدوات معرفية صارمة؟ وهل يُمكن لمن لا يملك بوصلة أصول الفقه ولا أدوات الاستنباط ولا الوعي باللسان العربي وسياقات النص، أن يُصَدَّق حين يُفتي؟
الدين ليس رأيًا في ندوة ثقافية، ولا تعليقًا عابرًا على منصّة اجتماعية. هو علم دقيق، تراكمي، ذو بنية مفهومية ومقاصدية، لا يُخاطب الظواهر فقط، بل يعبر إلى الجذور، وينبني على اجتهاد مُركب.
ولذا، فإن من يفتون دون تأهيل علمي عميق يُساهمون في هدم ثقة الناس بالدين، لأنهم ينقلون النصوص من سياقاتها، ويُحوّلون الفقه إلى تصوّرات جامدة تُقزّم الدين نفسه. هنا تحديدًا، يغدو القول في الدين نوعًا من العبث القاتل، كما حذر الإمام مالك: “من تكلم في الدين بغير علم فقد هلك وأهلك.”
– رابعًا: عُقدة “العامّة”… من يُحاكم من؟
ما معنى أن يُجادل من لا يفقه؟ وما مآل أن يحاكم من لا يملك أدوات المحاكمة؟
نقف أمام ظاهرة عجيبة: أن يُقبل غير المتخصصين على مجادلة المختصين، لا بالعلم ولكن بالانطباع، ولا بالدليل ولكن بالرأي المتوارث أو المتأثر بمنابر عشوائية. ظاهرة تُمثّل انعكاسًا لتراجع قيمة التخصص، وتضخم “أنا” متورمة بالثقة الجاهلة.
ليس المقصود هنا الحجر على التفكير أو الرأي، بل التحذير من أن تتحول ساحات النقاش إلى مجال لمَن لا يفرّق بين الظنّ واليقين، وبين النسبي والمطلق، فيَغدو النقاش صراعًا انفعاليًا لا بناءً معرفيًا.
– خامسًا: المنكر في صورته المركبة… لا اختزال في الشرّ
أليس المنكر أوسع من أن يُختزل في مظاهر أخلاقية سطحيّة؟
إنّ القرآن حين دعا إلى النهي عن المنكر، لم يُحدّده في صورة واحدة، بل جعله عنوانًا شاملاً لكل اعوجاج في الاجتماع الإنساني، فقال تعالى:
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة آل عمران: 104].
فالمنكر الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، والتدبيري، لا يقلّ خطورة عن المنكر الأخلاقي. ومن يُقصِر الإنكار على الملبس والسلوك الفردي، ويصمت عن الفساد المالي، أو الاستبداد السياسي، أو التهميش الثقافي؛ يُزيّف وعي الناس ويُقزّم الدين إلى سلوكيات شكلية، بينما تُنهَب الأوطان تحت غطاء الصلاح الظاهري.
– سادسًا: حكمة الصمت… حين يصير الجهل جريمة
هل يكفي أن نملك صوتًا لنقول؟ أم يجب أن نعرف قبل أن نتكلم؟
كثيرٌ من “الناطقين باسم الدين” نسوا أنّ الصمت أحيانًا أصدق من قولٍ بغير علم. وأنّ الجهل حين يتزيّا بلبوس الفتوى، يُنتج كوارث معرفية واجتماعية وروحية.
ولذلك، كانت دعوة القرآن واضحة:
{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ؛ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [سورة الإسراء: 36].
الصمت هنا ليس خوفًا، بل وعيًا بمقام الكلمة، ومسؤولية القول، وخطورة العبث بالدين، سواء عن قصد أو جهل. إن من يعرف حدود جهله، هو وحده من يستحق أن يُصغى إليه حين يتكلّم، لأنه حين يصمت، يُعلّمنا أن ليس كل سؤال يُجاب، ولا كل رأي يُعلَن، ولا كل من لبس العمامة صار عالمًا.
* خاتمة: في السؤال المصيري… من يفتي ومن يفهم؟
ما الذي يجعل من “القول بغير علم” أخطر من مجرد خطأ؟ إنه لا يُنتج فقط فهماً مشوشًا، بل يصوغ واقعًا مغلوطًا، ويصنع أنماطًا من التدين المنغلق، ويُفسد من حيث يُراد الإصلاح.
حين تختلط سلطة الدين بجهل التأويل، يصبح الجهل منظومة، والخطأ سياسة، والتدين عبئًا بدل أن يكون بصيرة. وهنا، يصير السؤال المصيري الذي يُطل من خلف كل هذا النص:
هل نملك الشجاعة لنفصل بين “من يُفتي” و”من يفهم”، بين “من يلبس العمامة” و”من يفقه النص والسياق”؟ وهل آن أوان إعادة الاعتبار للعقل والنص معًا، بدل تسليم الدين لأهواء الجهلة؟
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





