* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
المغرب، رسميًا المملكة المغربية، هو كيان سياسي-تاريخي يتجاوز في بنيته الراهنة مجرد الانتماء الجغرافي إلى شمال غرب إفريقيا. إنه فضاء حضاريّ مركّب، انصهرت فيه قرونٌ من التفاعلات بين عناصر سلاليّة وثقافيّة متنوّعة، ما جعله أحد أكثر النماذج التاريخيّة تعقيدًا على مستوى البناء الهوياتي في العالم الإسلامي المتوسطي.
هذا، ولا يمكن تفكيك بنية التسميات الرمزية المتداولة في المغرب – من مولاي إلى آيت، ومن سيدي إلى بني وأولاد – بمعزل عن هذا التراكب الهوياتي العميق، الذي تشكّل في تقاطعات المشرق والمغرب والأندلس، وتحوّل من مجرد جغرافيا إلى جغرافيا للرمز والدلالة.
* التسميات الرمزيّة في المغرب: بين الامتداد العرقي والدلالة الهوياتيّة
في المجتمع المغربي، تتجاوز الأسماء والانتماءات الرمزيّة وظيفتها التعريفيّة، لتتحوّل إلى شفرات اجتماعيّة تُجسِّدُ الامتدادات العرقيّة والهوياتية، وتُترجمُ خرائط النفوذ الرمزي والمكانة والدور داخل الهرم الاجتماعي.
فمن خلال قراءة ودراسة وتحليل لبنية التسميات الرمزيّة في الثقافة الشفهيّة بالمغرب، نجدها تأخذ طابعًا سوسيو-أنتروبولوجيًا أعمق، عبر استحضار الوظيفة الثقافية والاجتماعية لهذه التسميات؛ بحيث أنها بحق ذات حوامل دلاليّة مركّبة، تختزنُ تاريخًا طويلاً من التشكّلات الإثنية والرمزيّة والاجتماعيّة.
– مولاي ولالة: شرف النسب وتجليات الرمزية الدينية
مولاي: استعمال هذه الصيغة يحيل إلى النسب الشريف، تحديدًا إلى المنتسبين إلى آل البيت، سلالة فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
وهي دلالة على “البركة” الرمزيّة و”العصمة الاجتماعيّة” التي يتمتّع بها هذا النسب في المخيال الجمعي.
لالة: تقابلها في النسق الأنثوي، وتشير إلى المرأة ذات الأصل النبيل أو الشريف، وغالبًا ما تُطلق على النساء المنتميات إلى البيوتات ذات الوجاهة أو الشرف النَسَبي، أو حتى مكانة رمزيّة روحيّة (كأولياء الله الصالحين من الإناث).
– أولاد، بَنِي، بْنِي: سُلالاتٌ تُعبّر عن الامتداد القبلي العربي
أولاد (Aoulad): غالبًا ما تشير إلى انتماء عربي واضح، حيث تُستعمل في تسمية القبائل ذات الجذور الهلاليّة أو المعقلية أو غيرها من القبائل العربية التي استوطنت المغرب.
بَنِي / بْنِي: تختلف بحسب السياق الجغرافي واللساني؛ وتُستعمل أكثر في شمال المغرب، وتحمل ذات الدلالة القبليّة العربية، مثل: بني حسان، بني زروال، بني مطير، بني مسكين… إلخ.
آيْتْ: العلامة الأمازيغيّة للقبيلة والنسَب
آيت (Aït): تمييز صريح للانتماء الأمازيغي، وتُستعمل على نطاق واسع في الأطلس الكبير والمتوسط، وسوس، وتمثل شكلًا من أشكال الانتساب الجماعي في صيغة “أولاد” أو “بني” في النسق العربي. مثل: آيت باها، آيت حدو، آيت عطا… وغيرها.
في الجنوب الشرقي للمملكة المغربية؛ نجد اقتران: آيت ب: سيدي أو مولاي؛ فنسمع بـ: آيت سيدي علي مثلًا، أو نايْت سيدي امبارك، وآيت مولاي علي.
هذه البنية تدل على الأفق الجماعي للفكر الأمازيغي، حيث القبيلة ليست فقط وحدة نسبيّة بل أيضًا وحدة سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة.
سيدي وأگرّامْ: الولاية والشرَف الروحي
سيدي (Sidi): صيغة تبجيل واحترام، وقد تحيل على وليّ صالح، كما يمكن أن تُدمج مع النسب الشريف، خصوصًا في مناطق الجنوب أو الأطلس، لتدل على شخص يُجمع الناس على صلاحيّته أو علمه أو نسبه الشريف.
أگرّامْ (Agrram): من التسميات المرتبطة ببعض الزوايا المرابطيّة أو الصوفيّة، وتدلّ على الفرد الصالح أو المتنسّك أو المرتبط بمنظومة صوفيّة روحيّة ودينيّة تراثيّة.
الخلاصة: التسميّة كحاضنة لهوية مركّبة
إن تنوع هذه التسميات في المغرب يعكس تراكب الطبقات الحضاريّة والهوياتيّة: من العروبة إلى الأمازيغية، ومن النسب الشريف إلى الولاية الصوفيّة، ومن الامتداد القبلي إلى الانتماء الرمزي للمجال.
وهي تسميّات لا تُفهم فقط من منظور لغوي أو أنسابي؛ بل ينبغي تحليلها كرموز مُحمّلة بالدلالة السوسيو-تاريخيّة، تؤطّر موقع الفرد داخل المجتمع، وتحكم نظرة الآخرين إليه ضمن البنية التركيبيّة الثقافيّة المتشابكة والمتضامنة والمتآزرة والمتكاملة والمتعايشة للمغرب.
* بين الامتداد الحضاري والتفاعل التاريخي: عندما تصبح الجغرافيا حاضنة للهويّة
إنّ فَهمَ التسميات الرمزية التي يحملها الأفراد والقبائل في المغرب، لا يستقيم دون استحضار حركة التاريخ والجغرافيا، من خلال الانتقال بين ضفّتي المتوسط، وبين المجال المغاربي والمجال المشرقي، ومن خلال استيعاب العلاقة المعقّدة التي ربطت المغرب بالعالم الإسلامي في المشرق، وبالأندلس في الغرب، وبإفريقيا جنوب الصحراء.
لقد كانت هذه العلاقة الدينامية تتجلى في حركة العلماء والفقهاء والمتصوفة، كما في أعراف الزواج والمصاهرة، بل وحتى في تبادلات اللسان والزي والعمارة، بما يجعل من كل تسمية سوسيو-رمزية أثرًا موغلًا في هذا الحراك.
وهكذا، فالتسمية هنا ليست مجرّد اسمٍ وظيفي أو نسبٍ جامد، بل هي وعاءٌ مشحون بالدلالة، وخزانٌ رمزيّ يعكس دينامية اجتماعية وثقافية ممتدة.
* من صناعة الانتماء إلى هندسة الذاكرة: الدولة والهويّة المتعدّدة
في ظل الدولة الوطنية الحديثة، لم تكن مهمة تدبير التعدّد الهوياتي بالمغرب مهمة عفوية أو تلقائية، بل كانت ولا تزال فعلًا سياسيًا بامتياز، تدخل فيه اعتبارات الرمزية والشرعية والوحدة الوطنية. فقد تعاملت الدولة المغربية مع هذا التنوع لا من باب القطيعة أو التذويب، بل من خلال تبنّي منطق التركيب بدل الإقصاء، والإدماج بدل التفتيت، وهو ما تجلّى في الوثيقة الدستورية لسنة 2011 التي أقرت رسميًا بأنّ الهوية المغربية “متعددة الروافد”.
هذا الاعتراف، رغم طابعه القانوني، لا يُخفي حجم التوترات الرمزية الكامنة بين بعض المكوّنات، وفي مقدّمتها العلاقة الجدلية بين البعد العربي والبعد الأمازيغي، وهي علاقة تتأرجح تاريخيًا بين التناغم والتنافس، بين التماهي والتمايز، بما يجعل من “الهوية” – كما في فكر بول ريكور – فضاء تأويليًا متجدّدًا لا كيانًا مغلقًا.
الهجرة والمصاهرة والثقافة المُركّبة: أسئلة ما بعد الأصالة
المغرب ليس بلدًا ذا أصل واحد، بل فضاءٌ عرف موجات متتالية من الهجرة والاستقرار، من الفينيقيين والرومان، إلى العرب والمرابطين والموحدين، ثم اليهود الأندلسيين، والأفارقة الزنوج، والموريسكيين الهاربين من محاكم التفتيش.
لقد أنتج هذا المسار ثقافةً هجينة لا تختزل في بعد واحد، ولا يمكن ردّها إلى أصل صافٍ أو إثنيّ نقيّ. بل إنّ “الهوية المغربية” تُبنى – بالمعنى السوسيو-أنثروبولوجي – في تفاعلات متواصلة، تعيد فيها الجماعات إنتاج تمثّلاتها الرمزية، وتُعيد الدولة ضبطَ حدود الاعتراف والانتماء داخل الفضاء العمومي.
ولعل أبرز مثال على هذا، هو إدماج الحروف الأمازيغية (تيفيناغ) في المشهد الرسمي، وإعادة الاعتبار للغة والثقافة الأمازيغيتين دون الإطاحة بالبعد العربي الإسلامي، بل بمحاولة هندسة توازن رمزي بين الروافد كلها.
الهوية المغربية: مكوّنات وروافد في حقل تفاعل دائم
يمكن الحديث، في ضوء ما سبق، عن الهوية المغربية وفق هذا التقسيم المفاهيمي:
– أولًا – المكوّنات الأساسية:
1. الهوية العربية: وتشمل البعد اللغوي والديني والثقافي القادم من المشرق.
2. الهوية الإسلامية: كإطار روحي وشرعي يجمع كلّ المكونات.
3. الهوية الأمازيغية: بما فيها من تنويعات لغوية وثقافية وزمنية.
– ثانيًا – الروافد الحضاريّة:
* الحسانية: في الجنوب الصحراوي للمملكة.
* اليهودية المغربية: كعنصر تراثي عريق منغرس في المدن والأسواق والعادات.
* الأندلسية: بما تحمله من موسيقى، وعمران، وذوق اجتماعي.
* المتوسطية: بفعل التواصل التاريخي مع أوروبا.
* الإفريقية: بحكم الامتداد الجنوبي والعمق الصحراوي.
كلّ هذه الروافد لا تُفهم كمجرّد إضافات، بل هي لبنات أصيلة في البناء المغربي، ومكوّنات مؤسسة للوعي الجماعي، تنتظم داخل ما يمكن تسميته بـالدولة ذات الهوية المركّبة.
* نحو وعي نقدي بالهوية: أيّ مستقبل للمشترك الرمزي؟
السؤال الجوهري لا يتعلق بما كانت عليه الهوية المغربية، بل بما يجب أن تكون عليه في المستقبل.
فهل نتجه نحو تأصيل الهجنة كقيمة، أم نحو تطهير الهويّة من تعدّدها باسم “الصفاء”؟
هل نحن أمام نموذج تعايش فعليّ، أم أمام توازن هشّ تحكمه الحسابات السياسيّة والعرقيّة والقبليّة، أكثر مما تحكمه قناعات مجتمعيّة راسخة؟
هذه الأسئلة لا نملك إجابات عنها ولا تملك الدولة وحدها مفاتيحها، بل تتطلّب مجهودًا جماعيًا في التربية والثقافة والتعليم، والإعلام، بما يجعل من الاختلاف طاقة تكامل لا مشروع صراع.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





