العمامة المغربيّة الصحراويّة والحاجة إلى الرمزيّة: قراءة سوسيو-أنثروبولوجيّة في فلسفة اللّباس
الدكتور عبد الله شنـفـار(*)
اللّباس ليس مجرّد استجابة لحاجاتٍ وظيفيّة ماديّة محضَه، بل هو تمظهرٌ كثيف لبنيةٍ ثقافيّة وسرديّة رمزيّة، تختزن تصوّر الإنسان لذاته، وللآخر، وللكون. وضمن هذا الأفق، تتجاوز العمامة؛ خصوصًا في الفضاءات الصحراويّة؛ حدود وظيفتها الظاهريّة، لتغدو تعبيرًا مركبًا عن علاقة الإنسان بالمصير وبالفقر وبالهشاشة ووبالزمن والمكان، في آنٍ واحد.
قد يُفسّر البعض ارتداء العمامة تفسيرًا نفعيًا صرفًا: وكأنها مجرد وقاية من شمس الصحراء اللاهبة الحارقة، أو درع واقٍ من غبار الرياح العاتيّة، أو لثامًا يُخفي ملامح المرتحل من رصد العدو. غير أن هذه المقاربة، رغم مشروعيتها من حيث الظاهر، تظل عاجزة عن الإحاطة بالحضور الكثيف للعمامة في الوِجدان الجمعي، ولا تُفسّر تلك القداسة الروجيّة الخفيّة التي تحيط بها عبر الأزمنة.
في التفسير الديني والروحي التقليدي، تحضر العمامة بوصفها جزءً من طقس الاستعداد للموت. فهي لا تُلفّ على الرأس فقط لستر الجسد، بل لأنها قابلة لأن تُستخدم ككفن محتمل في حال الوفاة أثناء الترحال في متاهات الصحراء.
من هنا، تتحول العمامة إلى تجسيد مادّي لوعي الإنسان بفجائيّة الموت واستعداده له. إنّها كفنٌ مؤجّل يُلبَس أثناء الحياة، إقرارًا ضمنيًا بعبور الحياة، وبأنّ النهاية ليست احتمالًا، بل يقينٌ مؤجل.
بهذا المعنى، لا تُدرَك العمامة كزينة خارجيّة، بل كعلامة وجوديّة؛ إذ هي تمظهرٌ لوضعٍ أنطولوجي مخصوص: الإنسان في الصحراء ليس كائنًا مهووسًا بالزينة أو بالتأنّق، بل هو كائن يعيش على تخوم الفناء، ويتربّص به الخطر في كل وقت وحين، فيستبطن هشاشته في تفاصيل حياته اليوميّة.
ولهذا، لا يكون اللّباس زينة، بل لغة رمزيّة تُفصح عن موقع الإنسان بين السماء والأرض، بين البقاء والفناء، بين العبور العابر والإقامة الأبديّة.
ومن زاوية التحليل السوسيو-أنثروبولوجي، تُمثّل العمامة لحظة التقاء بين المقدّس والدنيوي، بين الفضاء الطقسي الروحي والفضاء اليومي. فهي في آنٍ واحد وسيلةُ عيش، وطقسُ استعدادٍ للموت، ووظيفةٌ يوميّة، وذاكرةٌ رمزيّة، ووقايةٌ فيزيائيّة، وإشارةٌ ثقافيّة.
وهذا التراكب الرمزي والوظيفي، هو ما يجعلها جديرة بالتأمّل، لا فقط بوصفها لباسًا تقليديًا، بل ككائنٍ ثقافيّ يختزن رؤيةً للوجود، وذاكرةً للجماعة، وإحساسًا عميقًا بالمصير.
لكن، هل ما زال لهذا العمق الرمزي حضورٌ في وعي الجيل الحديث؟
وهل تحوّل اللّباس إلى مجرّد تمظهر شكلي يُستورد من واجهات الموضة، منزوعًا من دلالاته الرمزيّة والأنطولوجيّة؟
وهل يعني خفوت هذه الرمزيّة تفكّكًا في العلاقة بين الإنسان ومصيره؟
هنا يكمن جوهر الإشكال، الذي يجعل من فلسفة المظهر مدخلًا نقديًا ضروريًا لتحليل تحوّلات القيّم في الزمن الحديث، وتفكك صلة الإنسان بجذوره الرمزيّة العميقة.
______
(*) نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي؛ من مواليد 13 يونيو 1970 بفم زكيد إقليم طاطا؛
– محصل على شهادة الإجازة في الحقوق (تخصص الإدارة الداخليّة)
– ومحصل على شهادتين للدراسات العليا:
1. الأولى في علم السياسة
2. والثانية في علم الإدارة.
– محصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإداريّة.
– محصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق
* وذلك كله بكليّة الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش
* له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته:
* الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
* الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)،
* والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





