النزاعات حول أراضي الجموع ودور الزوايا الصوفية في صيانة الحوز الجماعي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

– آليات الضبط التقليدي ورهانات الاستئناف الروحي:
 تمثّل الأرض، في السياق القروي والقبلي المغربي، أكثر من مجرد حيز جغرافي أو مورد اقتصادي؛ فهي مكوّن بنيوي من الذاكرة الجماعيّة، ورمز للعرض والشرف والهوية.
ومن ثَمّ، فإن أي اعتداء أو نزاع حولها لا يختزل في أبعاده المادية أو القانونيّة، بل يتجاوزها إلى رهانات رمزية تمسّ تماسك الجماعة وهيبتها. وفي قلب هذه النزاعات، التي غالبًا ما تتسم بحدة عالية، برزت الزاوية الصوفية بوصفها فاعلًا رمزيًا يمتلك شرعية تاريخية وأخلاقية تمكّنه من التدخل لإعادة التوازن وضبط المجال.
 تثير هذه الظاهرة أسئلة جوهرية حول طبيعة السلطة الرمزية التي راكمتها الزوايا عبر القرون، وآلياتها في احتواء النزاع وتفكيك التوتر، بل وإعادة هندسة المجال الاجتماعي والمجالي من جديد.
كيف أمكن لهذه المؤسسات الروحيّة أن تفرض ما يُعرف بـ “التحرام” على أرض متنازع عليها، فيلتزم به الخصوم دون إكراه مادي مباشر؟ وكيف نجحت في الجمع بين حماية الحوز الجماعي وردع الاعتداءات، وبين الحفاظ على موقعها كفضاء للبركة والصفاء الروحي؟
 وفي ظل التحولات الراهنة التي يشهدها العالم القروي من تفكك تدريجي للنسيج الاجتماعي، وضغوط اقتصادية وديمغرافية متزايدة، وتنامي النزاعات حول أراضي الجموع؛ يصبح من المشروع التساؤل:
هل ما تزال آليات الضبط التقليدي التي اعتمدتها الزوايا قادرة على الاستمرار والفعالية؟ أم أن الأمر يستدعي ما يمكن تسميته بـ “الاستئناف الروحي”، أي تكييف الأدوار الرمزية للزوايا بما يستجيب للمتغيرات المعاصرة، دون تفريغها من مضمونها الأخلاقي وعمقها التاريخي؟
 لا يسعى هذا البحث إلى تقديم قراءة فلكلورية للزوايا الصوفيّة، بل إلى تحليل أدوارها في صيانة الحوز الجماعي وحماية الأمن المجتمعي، بوصفها وسيطًا أخلاقيًا ورمزيًا قادرًا على تحويل النزاعات العقارية من بؤر توتر إلى فرص للصلح وترميم النسيج الاجتماعي. ويهدف، من خلال مقاربة سوسيو-أنثروبولوجية، إلى تفكيك البنية الرمزية لهذه الوساطة، واستشراف إمكانيات إدماجها ضمن منظومات تسوية النزاعات في إطار السياسات العمومية.
أولًا: الأرض في المخيال القبلي: من المورد إلى الشرف الرمزي
 في البنية القبلية المغربية، لا تُختزل الأرض في كونها ملكية مادية أو مجالًا للاستغلال الاقتصادي، بل تُشكّل عنصرًا جوهريًا في تعريف الهوية الجماعية والشرف والانتماء. فالـ “رجل صاحب العرض”، كما يُقال في العرف المحلي، لا تُكتمل مكانته الاجتماعية إلا من خلال ثلاثية وجودية: الزوجة، والأبناء، والأرض.
 بهذا المعنى، تصبح الأرض امتدادًا للعرض والكرامة والجدود، وأي اعتداء عليها يمثّل مساسًا مباشرًا بالأمن الرمزي للجماعة. ويزداد هذا البعد الرمزي وضوحًا في حالة “أراضي الجموع”، التي تُدار تقليديًا تحت إشراف “كبير القوم” أو زعيم القبيلة، بوصفه الحامي والضامن لاستمرارية المجال وحمايته من أي توغّل خارجي أو تحايل داخلي.
 لذلك، فإن محاولات التوسع من قبل جماعة على حساب أخرى غالبًا ما تتحوّل من مجرد خلاف على حدود أو موارد إلى صراع رمزي ذي أبعاد شرفية، وقد يتخذ هذا الصراع أشكالًا عنيفة مباشرة أو غير مباشرة، تبعًا لحساسية الوضع ومكانة الأرض في الوجدان الجمعي.
ثانيًا: مظاهر التوتر الرمزي في النزاعات حول الأرض
 تظهر النزاعات العقارية في السياق القبلي المغربي في صورة توتر مزدوج الأبعاد:
 1. البعد المادي/الموارد: صراع واضح حول ملكية الأرض، أو حدود الاستغلال، أو السيادة على المجال.
 2. البعد الرمزي/الهيبة: منافسة مضمّنة تتجلى في المباهاة، والتعبيرات الهجائية أو الساخرة، وإقامة الولائم والمناسبات، بل وحتى استثمار الاستحقاقات الانتخابية كمنصات لإعلان “الانتصار” الرمزي على الخصوم.
 في هذا الإطار، قد يتحول فوز أحد أبناء القبيلة أو الفخذة بمقعد انتخابي إلى رسالة رمزية تُقرأ في سياق النزاعات العقارية، وتُستغل كأداة لإعادة تثبيت الهيبة أو لتصفية حسابات تاريخية، مما يزيد من تعقيد النزاع وتوسيع دائرة رمزيته إلى ما يتجاوز المجال العقاري نفسه.
ثالثًا: الزاوية الصوفيّة كفاعل رمزي في تدبير النزاعات العقاريّة
 في مواجهة هذا التشابك بين البعدين المادي والرمزي للنزاع، تتدخل الزاوية الصوفية ليس بوصفها مؤسسة دينية فحسب، بل كسلطة رمزية تتمتع بشرعية تاريخية وقدرة على إعادة ترتيب المجال القبلي وضبط التوازنات. ويستند هذا التدخل إلى منظومة من القيم والآليات التقليدية، من أبرزها:
1. تحييد المجال المتنازع عليه: عبر إعلان “التحرام”، أي منحه صفة الحرمة بشكل مؤقت، ما يوقف التصعيد ويوفر وقتًا ومساحة للحوار.
2. مائدة الصلح: دعوة الأطراف المتنازعة إلى الزاوية في إطار جماعي، بما يعيد النقاش إلى منطق المصلحة المشتركة بدل المواجهة الثنائية.
3. تفعيل الذاكرة المشتركة: استحضار سير الأولياء والحكماء الذين حالوا دون إراقة الدماء بسبب نزاعات على الأرض، بما يعزز قيم التسامح والصفح.
4. الوساطة الوجدانية: إخراج النزاع من الإطار الإداري أو القضائي الجاف، وتوفير فضاء يسمح بالتنازل المتبادل دون شعور بالمهانة، في حضور شرفاء ووجهاء وشخصيات مرجعية.
 بهذا، تتحول الزاوية إلى مؤسسة أخلاقية تسهم في صيانة الحوز الجماعي ليس من خلال النصوص القانونيّة فقط، بل عبر الرمز، والهيبة، والبركة، ومقام الصلح في حضرة شيوخ ووجهاء وشرفاء واعيان ومريدي الزاوية.
رابعًا: من حماية المجال إلى صيانة التوازن المجتمعي
 لا يقتصر تدخل الزوايا على معالجة النزاع العقاري في ذاته، بل يمتد إلى حماية النسيج الاجتماعي من الانهيار بفعل تراكم الأحقاد والنزاعات القديمة. فالنزاع، وإن بدا مرتبطًا بمتر من الأرض، غالبًا ما يختزن صراعات نفسية وذاكرات جرح وروابط اجتماعية متوترة بين العائلات والفخذات.
 وهنا يظهر البعد الاستباقي للتدخل الصوفي، الذي يعيد تعريف الأرض باعتبارها حوزًا رمزيًا مشتركًا، ويشدد على أن الحفاظ عليها يتطلب تسويات رضائية، واحترامًا متبادلًا، ونظرًا بعيد المدى نحو مصالح الأجيال المقبلة.
* استنتاج عام تركيبي:
 أثبتت التجربة المغربية، خاصة في السياقات القروية والقبلية، أن النزاعات العقارية لا تُحل دائمًا عبر المسارات القضائية أو الإدارية، بل تستلزم في كثير من الحالات تدخل فاعلين رمزيين يمتلكون شرعية وثقة المجتمع. وتأتي الزوايا الصوفية في مقدمة هؤلاء، بفضل موقعها الوسيط بين الدولة والمجتمع، وقدرتها على تحويل النزاع إلى مناسبة للصفح بدل أن يكون شرارة للاحتراب.
 غير أن هذا الدور يطرح تساؤلات مفتوحة: كيف يمكن إدماج أدوار الزوايا في السياسات العموميّة لحل النزاعات العقاريّة، دون أن تفقد هذه الوساطة بعدها الرمزي وأصالتها القيمية؟ وهل يمكن تصميم منظومة وساطة مؤسسية تستلهم من التجربة الصوفيّة آلياتها الأخلاقيّة والرمزيّة، مع ضمان فعاليتها في بيئة اجتماعيّة وثقافيّة وسياسيّة واقتصاديّة وبيئيّة متغيرة؟

*******

* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛
المفكّر والباحث المغربي المتخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والأنثروبولوجي والاقتصادي والثقافي والبيئي؛ من مواليد 13 يونيو 1970 بفم زكيد إقليم طاطا؛
يُعد من أبرز الأسماء في المشهد الأكاديمي والثقافي بالمغرب.
– محصل على شهادة الإجازة في الحقوق (تخصص الإدارة الداخليّة)
– ومحصل على شهادتين للدراسات العليا:
1. الأولى في علم السياسة
2. والثانية في علم الإدارة.
– محصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإداريّة.
– محصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق
* وذلك كله بكليّة الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش
* له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته:
* الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
* الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)،
* والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
* الصوفيّة وأدوارها في الأمن المجتمعي: من آليات الضبط التقليدي إلى رهانات الاستئناف الروحي في زمن الأزمات (كتاب جماعي (2025)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...