العمرانُ حين يتعلّمُ الإصغاءَ إلى الجغرافيا: مراكش… مدينةُ السبعة رجال التي أعشق..

 

 

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

* حين تُصالحُ المدينةُ مجراها:

      في تقاطع الهندسة المجالية والسياسات العمومية الحضرية، تظل مدينة مراكش بالنسبة إليّ، وأنا ابنُ مجتمع الواحات، أكثر من مجرد مدينة؛ إنها ذاكرة نابضة بالحياة، وروح متجددة، وواحة إنسانية تحتضن النخيل والتاريخ والجغرافيا والاجتماع والجمال.

      ومنذ سنوات الدراسة الجامعية، سنة 1989، كان واد إسيل يشغل بالي كلما عبرت ضفتيه أو جاورته. فقد عايشت، مثل كثير من سكان الأحياء المجاورة، ما كان يسببه من روائح مزعجة وانتشار للبعوض (شْنيْوْلَة)، خاصة خلال فترات الاستعداد للامتحانات حين كنا نراجع دروسنا في الهواء الطلق رفقة الأصدقاء.

كما خبرت ذلك عن قرب خلال إقامتي بأحد الأحياء المحاذية للوادي، شأن ساكنة أحياء النخيل وبلبكار وسقر وكنون والقرية وغيرها.

      لذلك كان يخامرني دائمًا حلم تسقيف هذا الوادي وتغطيته، وربما البناء فوقه، ظنًّا مني أن ذلك هو الحل الأمثل للتخفيف من آثاره على الساكنة.

غير أن السنوات علمتني أن هذا التصور لم يكن سوى انعكاس لرؤية تختزل المجال في ما يتيحه من وعاء عقاري، بينما المدينة في جوهرها أكبر من ذلك بكثير؛ فهي جمال وذاكرة وبيئة وعلاقات إنسانية، قبل أن تكون مجرد أرض قابلة للاستثمار والبناء.

      لقد علّمنا تطور الفكر العمراني والتجارب الحضرية والهندسة المجالية الحديثة أن أفضل الحلول ليست دائمًا تلك التي تُخفي المجال أو تطمره، بل تلك التي تُعيد إليه الحياة وتُحسن أداءه البيئي والاجتماعي.

ومن هذا المنطلق، يبعث في النفس كثيرًا من التفاؤل ما تستعد له مدينة مراكش اليوم من إطلاق مشروع طموح لإعادة تهيئة واد إسيل وتحويله إلى فضاء حضري وترفيهي متكامل، يليق بمكانة المدينة الحمراء ويستجيب لتطلعات ساكنتها وزوارها.

      إن هذا المشروع، إذا كُتب له الإنجاز، لا يقتصر على تحسين البنية التحتية أو تجميل المشهد العمراني فحسب، بل يعكس تصورًا حديثًا للمدينة يجعل من الفضاءات العمومية رافعة لجودة الحياة، ومجالًا للتنزه والالتقاء والتفاعل الإنساني.

كما أنه ينسجم مع التوجهات العالمية التي تسعى إلى تحويل مجاري الأودية والأنهار داخل المدن من فضاءات مهملة أو مصدر إزعاج إلى متنفسات بيئية وترفيهية مفتوحة أمام المواطنات والمواطنين.

      وفي حالة واد إسيل، يبدو خيار إعادة التهيئة والتأهيل الحضري أكثر استدامة ونجاعة من خيار التسقيف الكامل والتغطية، وذلك لعدة اعتبارات:

1. بيئيًا:
      تشكل الأودية ممرات طبيعية لتصريف مياه الأمطار والفيضانات، وقد يؤدي تغطيتها إلى زيادة مخاطر الاختناق الهيدروليكي أثناء التساقطات القوية.

2. صحيًا:
      لا تعود الروائح الكريهة وانتشار البعوض إلى وجود الوادي في حد ذاته، بل غالبًا إلى تلوث المياه أو ركودها. لذلك فإن معالجة الأسباب المباشرة للمشكل تبقى أكثر فعالية من إخفاء الوادي تحت الخرسانة.

3. عمرانيًا:
      أصبحت الواجهات المائية عنصرًا مهمًا في تحسين المشهد الحضري وجذب الاستثمار والسياحة والرفع من جودة الحياة.

4. اجتماعيًا:
      إن تهيئة ضفاف الوادي بمسارات للمشي والدراجات، ومناطق خضراء، وفضاءات للرياضة والترفيه، من شأنها أن تمنح الأحياء المجاورة متنفسًا حضريًا حقيقيًا يعزز الترابط الاجتماعي والشعور بالانتماء للمجال.

5. أمنيًا ومجاليًا:
      لعل من المكاسب غير المعلنة لهذا المشروع أنه سيساهم في استعادة ضفاف الوادي من بعض مظاهر الهشاشة الاجتماعية والانفلات التي تجد في الفضاءات المهجورة أو ضعيفة الاستعمال بيئة مواتية للتمدد.

فالمدينة لا تُصان فقط بوسائل المراقبة والتدخل، بل تُصان كذلك بالحياة؛ إذ حيث يحضر الناس، وتزدهر الأنشطة، وتتجمل الفضاءات العمومية، تضيق تلقائيًا مساحات الانحراف وبعض صور الجريمة، ويستعيد المجال العام وظيفته الأصيلة باعتباره فضاءً للعيش المشترك والأمن والطمأنينة.

      وإذا كُتب النجاح لهذا المشروع في تنقية المياه ومنع مصادر التلوث، ومكافحة البعوض عبر تحسين الجريان المائي والصيانة الدورية والمعالجة البيئية، وتشجير الضفاف وتوفير فضاءات عمومية ذات جودة عالية، وربط الأحياء المجاورة بمسارات آمنة للمشاة والدراجات، فإن واد إسيل قد يتحول من مصدر إكراهات بيئية وعمرانية إلى أحد أبرز المعالم البيئية والترفيهية بمدينة مراكش.

      إن الصورة المرفقة تجسد بوضوح هذا النموذج الحضري الذي تتبناه اليوم مدن عديدة عبر العالم؛ نموذج يقوم على مبدأ «العيش والتعايش مع الوادي وتثمينه» بدل «إخفائه وتغطيته».

وهو توجه يعكس فلسفة جديدة في التخطيط الحضري والعمراني، قوامها المصالحة مع المجال الطبيعي وجعله جزءًا من الحياة اليومية للمدينة وسكانها.

      هكذا تواصل مراكش، المدينة التي أعشق، قدرتها الدائمة على التجدد، محافظةً على روحها الأصيلة وذاكرتها العريقة، ومنفتحةً في الآن نفسه على مستقبل أكثر إشراقًا وجاذبية واستدامة.

      ولعل أجمل ما يمكن أن تتعلمه المدن من جغرافيتها هو أن الطبيعة ليست عائقًا أمام العمران، بل شريكًا في صياغة معناه الأعمق.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...