الفصل 30 من الدستور المغربي بين النص والتأويل: الشرعيّة الدستوريّة وآفاق التعديل لإعادة التوازن بين فلسفة الحق وفلسفة السلطة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

أولاً: مدخل تأطيري: الدستور كمرآة للتوتر بين المثال والواقع
 حين يقرّ الدستور المغربي للعام 2011 في فصله الثلاثين بأن لكل مواطنة ومواطن بالغٍ سن الرّشد القانونيّة ومتمتعٍ بحقوقه المدنيّة والسياسيّة؛ الحق في التصويت والترشّح، فإنه لا يكتفي بإقرار قاعدة قانونيّة؛ بل يفتح أفقًا تصوّريًا لتمثّل الدولة الديمقراطية في صورتها الأكثر شمولًا.
 غير أن التجربة التشريعيّة والممارسة الميدانيّة لم تكتفِ بهذا النص، بل تدرس إمكانيّة تحميله بشروط إضافيّة قد تمسّ صميم جوهره. وهنا، يصبح السؤال غير المعلن:
 هل يُفترض في الدستور أن يكون سقفًا لا يُمسّ، أم قاعدةً مرنة تستجيب لمقتضيات المصلحة العامة؟ وهل يمكن أن تتسع هذه المقتضيات لتبرير تقييد الحق السياسي باسم الجودة أو الاستقرار؟

 ثانيًا: بين الاقتصاد التشريعي والوفرة التأويلية:
 1. البنية الأصليّة للفصل 30:
 ينص الفصل 30 من الدستور المغربي على شرطين اثنين فقط لممارسة الحق في الترشح والتصويت: بلوغ سن الرشد القانوني (18 سنة)، والتمتع بالحقوق المدنيّة والسياسيّة غير المسقطة قضائيًا.
 هذه الصياغة المقتضبة تعبّر عن إرادة المشرّع الدستوري في تكريس شمولية الحق السياسي، بعيدًا عن القيود الطبقيّة أو الثقافيّة أو التعليميّة النخبويّة، ما يجعل النص في صورته الأصليّة أداة لضمان المساواة السياسيّة بين جميع المواطنات والمواطنين؛ خاصةً وأن الفقرة المواليّة منه؛ تنص على: «وينص القانون على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابيّة.»
 2. الانزياحات التشريعيّة:
 غير أن القوانين التنظيمية جاءت لتوسّع دائرة الشروط، مضيفةً قيودًا لم يذكرها الدستور صراحة، مثل اشتراط السجل العدلي النظيف لبعض أنواع الانتخابات، حتى لمن تم ردّ الاعتبار إليهم، وفرض متطلبات ماليّة وعدديّة جد معقدة على المترشحات والمترشحين، إضافة إلى إدراج معايير أخلاقيّة غير محددة بدقة مثل اشتراط المروءة، على نحو يسمح بتأويلها بشكل واسع.
 هذا الامتداد التشريعي يطرح إشكالًا جوهريًا حول مدى انسجامه مع مبدأ سمو الدستور وتعاليه، إذ يبدو وكأنه يضع سقفًا جديدًا للأهليّة السياسيّة خارج النص الدستوري.
 3. الممارسة الواقعية:
 على مستوى الممارسة العمليّة والفعليّة، فإن الانزياح يتجاوز ما أقرّته القوانين نفسها. فالتضييق العملي على بعض المترشحات والمترشحين رغم استيفائهم للشروط القانونيّة، والانتقائيّة في قبول ملفات الترشح، ووجود ضغوط إداريّة أو سياسيّة غير منصوص عليها، كلها مؤشرات على أن التأويل والممارسة قد تحوّلا في أحيان كثيرة إلى أداة لإعادة هندسة الانتخابات لإنتاج النخب السياسيّة والتحكم في عمليّة الولوج إلى المجال الانتخابي.
ثالثًا: جدليّة الحق والسلطة: قراءة في فلسفة الإقصاء والانتقاء
 1. المساواة في مواجهة انتقائيّة التمثيل:
 تستند المقاربة الليبراليّة إلى فكرة أن الحق في الترشح امتداد طبيعي للمواطنة، وأن أي شرط إضافي هو افتراء على مبدأ المساواة. في المقابل، ترى المقاربة المحافظة أن الديمقراطية ليست مجرّد جمع أصوات، بل اختيار نخبة قادرة على حماية الصالح العام من خلال حسن الادارة والتدبير والشفافيّة، مما يبرّر وضع شروط كالنزاهة أو الكفاءة الأكاديميّة.
 لكن، أليس الخطر قائمًا في أن تتحوّل معايير الكفاءة إلى أدوات إقصاء ممنهج، خاصة حين تُترك تعريفاتها وتحديد مفهومها للسلطة التشريعيّة العاديّة أو للإدارة؟
 2. الشرعيّة بين النص وروح الضرورة:
 يجد أنصار المدرسة الحرفية في النص الدستوري؛ وهي مدرسة تهدف إلى تأهيل الأفراد لسوق العمل من خلال اكتساب مهارات عملية في مختلف المجالات الحرفيّة؛ سندًا لرفض أي تقييد غير منصوص عليه صراحة.
 بالمقابل، تنطلق المدرسة الواقعيّة من أن الدستور ليس وثيقة مغلقة، بل إطار وفضاء مفتوح يجب أن يُملأ بمقتضيات تفرضها ديناميات الواقع، سواء لمكافحة الفساد أو لضمان الاستقرار، من خلال التعديل. غير أن السؤال الجوهري هنا، هو: متى يصبح هذا “الملء” تعديلاً مقنعًا، ومتى يتحول إلى تحريف لمبدأ سيادة الدستور على ما دونه؟
 رابعًا: نحو إعادة تعريف الأهلية السياسية: مشروع إصلاح توافقي
 1. الفصل بين الحق الجماعي والفردي:
 يمكن التفكير في تمييز واضح بين الحق في التصويت؛ وهو حق جماعي مطلق؛ والحق في الترشح، وهو ممارسة فردية يمكن إخضاعها لشروط إضافيّة، شريطة أن تُدرج هذه الشروط في النص الدستوري نفسه، وأن تُصاغ بصورة دقيقة تمنع التعسف في التأويل، وأن تكون متناسبة مع طبيعة المنصب.
 2. ضمانات ضد الإقصاء الدائم:
 ينبغي إدراج مبدأ “رد الاعتبار المدني القانوني والسياسي” بحيث يتمكن من استوفوا عقوباتهم من استعادة حقوقهم كاملة، بدل تركهم رهائن لحرمان غير محدّد الأجل.
 كما يمكن وضع معايير موضوعيّة للتجريم السياسي، تقتصر على أفعال ذات أثر مباشر على النزاهة الانتخابيّة أو السلم العام، بدل الاكتفاء بتوصيفات فضفاضة للقيّم والأخلاق.
 3. بدائل لتعزيز جودة التمثيل:
 بدلًا من تضييق دائرة المترشحين عبر القيود، يمكن اعتماد آليات رقابيّة وتشاركيّة ترفع من جودة الاختيار الشعبي: نشر السجلات المالية والقضائيّة للمترشحات وللمرشحين ومنح المجتمع المدني حق تقديم طعون مبكرة، أو تبني نظام انتخابي تراتبي يزاوج بين الانتخاب المباشر واختيار وتعيين نخب تقنيّة أو تكنوقراط عبر خلق مسارات موازيّة.
 خامسًا: الدستور كعقد اجتماعي حيّ: إعادة التوازن بين المثالية والبراغماتية
 لا تكمن خطورة الشروط الإضافية فقط في تقييد الحقوق، بل في تأسيس سابقة تقبل بتعديل جوهر الدستور عبر الممارسة لا عبر المسطرة المنصوص عليها.
 وهذا يثير سؤالًا أعمق: هل يمكن بناء ديمقراطية تحترم شمولية الحقوق وتستجيب في الوقت نفسه لمطلب الكفاءة، دون أن يتحوّل هذا المطلب إلى أداة لإعادة إنتاج النخب التقليدية؟ وإذا كان الدستور في جوهره عقدًا اجتماعيًا، فكيف نصون مرونته دون أن نفرّط في إلزاميته؟
 استنتاجات عامة: بين النص الجامد وروح النص الحي
 إن الفصل 30 ليس مجرد مادة قانونية، بل هو اختبار دائم لمدى قدرة النظام السياسي على التوفيق بين الحق المطلق في المشاركة والميل المؤسسي نحو الانتقاء.
 في كل مرة تُضاف فيها شروط غير منصوص عليها، نقترب خطوة من تعديل غير معلن للدستور، ونبتعد خطوة عن مثاله التأسيسي.
 يبقى السؤال، إذن، كيف نصوغ صيغة توازن جديدة، تضمن ألا يُفرغ النص من روحه باسم المصلحة، ولا تُختزل المصلحة في قراءة ضيقة للنص؟
 إن الإجابة عن هذا السؤال ليست تقنية ولا قانونية فحسب، بل هي أيضًا فلسفية وأخلاقية، لأنها تحدد طبيعة علاقتنا بالدستور: هل هو نص يُقرأ بصرامة حرفية، أم روح تُستحضر في سياقات متغيرة؟ في هذا الأفق، تظل الديمقراطية المغربية مشروعًا مفتوحًا، تتنازعه قوتان متعاكستان: نزعة حقوقيّة تؤمن بالمساواة بلا شروط، وعقلانيّة سلطويّة ترى في الانتقاء شرط البقاء.
 بين هذين القطبين، يتحدد مصير النص الدستوري، وتتجدد شروط وجوده.

*************************

نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛
المفكّر والباحث المغربي المتخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والأنثروبولوجي والاقتصادي والثقافي والبيئي؛ من مواليد 13 يونيو 1970 بفم زكيد إقليم طاطا؛
يُعد من أبرز الأسماء في المشهد الأكاديمي والثقافي بالمغرب.
– محصل على شهادة الإجازة في الحقوق (تخصص الإدارة الداخليّة)
– ومحصل على شهادتين للدراسات العليا:
1. الأولى في علم السياسة
2. والثانية في علم الإدارة.
– محصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإداريّة.
– محصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق
* وذلك كله بكليّة الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش
* له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته:
* الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
* الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)،
* والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
* الصوفيّة وأدوارها في الأمن المجتمعي: من آليات الضبط التقليدي إلى رهانات الاستئناف الروحي في زمن الأزمات (كتاب جماعي (2025)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...