إشكاليّة المسؤوليّة القانونيّة في ظل ظاهرة تعديل الدراجات الناريّة: تشابك الإطار الجمركي وإشكالات التطبيق

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

في إطار رصد اجتماعي وتتبع ما يشغل البلاد والعباد من شأن عام محلي وجهوي وإقليمي؛ في وطني العزيز؛ أثار انتباهي ردود فعل متباينة حول مشكل تعديل الدراجات الناريّة؛
– إطار الإشكالية وسياقاتها العامة المعقّدة
تتشكل المسألة المركزيّة لهذا الموضوع عند نقطة التقاء غير مأمونة بين ثلاثة أنظمة قانونيّة متكاملة:
1. قانون السير،
2. التشريع الجمركي،
3. وقواعد المسئوليّة المدنيّة والجنائيّة.
يثير موضوع الدراجات الناريّة المعدلة؛ خلافًا للمواصفات المُصرّح بها جمركيًا، وما هو مدوّن بالورقة الرماديّة، والحالة التي توجد عليها الدرّاجة؛ تساؤلات جوهريّة تتجاوز الإطار التقني البسيط، لتُلامس صميم فلسفة المسئولية، وحدود وفعاليّة الرقابة، وإنصاف المالكين والمتقاضين.
هل يمكن تحديد مسار واضح لتحديد المسؤولية في بيئة يتداخل فيها الخطأ القانوني مع الغلط الاجتماعي، وتترسخ فيها ممارسة واقعيّة رائجة؟ ومن يتحمل العبء النهائي لفشل الأنظمة القانونيّة والإداريّة والأمنيّة، في احتواء هذه الظاهرة منذ منبعها؟
سوف أقوم بمقاربة الموضوع من خلال المحاور الآتية:
– المحور الأول: التشريع والممارسة: تفكيك البنية القانونية للإشكال
ننطلق من فرضية عدم وجود ثغرة قانونيّة في المبدأ؛ فالتشريع المغربي، ممثلاً في مدونة السير (قانون 52.05) ومدونة الجمارك (قانون 1.77.339)، يزخر بالنصوص التي تجرم التلاعب بمواصفات المركبات أو الغش في التصريح الجمركي.
العقوبات المترتبة: من غرامات مالية جسيمة إلى الحجز وإلغاء التسجيل؛ تبدو رادعة على الورق. إلا أن السؤال الإشكالي الذي يطفو على السطح هو: لماذا تستشري الظاهرة رغم وجود هذا الإطار الزاجر؟
الجواب بكل بساطة، يكمن في الفجوة بين النص والتطبيق، وهنا يفتح المجال للحديث عن الأمن القانوني أو المؤسسات الرّخوة.
تتقاطع هنا مساران للمسؤولية:
المسار الجمركي الأولي (مرحلة التصريح والتعشير): حيث يتم تحديد الهوية القانونيّة الأولى للمركبة. والغش عند هذه النقطة؛ كالتصريح بأسطوانة 49cc لدراجة هي في الأصل 125cc؛ يمثل “خطيئة الأصل” التي تُلقي بظلالها على المسار اللاحق للدراجة. والمسؤولية هنا تقع بالدرجة الأولى على عاتق المستورد، الذي ارتكب غشًا جمركيًا صريحًا، مع ما يستتبعه من عقوبات مالية وجنائية.
1. مسار التعديل اللاحق (مرحلة الاستعمال): هنا، تدخل الدراجة البلاد بشكل قانوني سليم، ثم يُجرى عليها تعديل لاحق لرفع قدرتها، والتملص من مصاريف التأمين الإضافيّة ومتطلبات رخصة القيادة وغيرها….
هذه الممارسة، وإن كانت تخالف مدونة السير، فإنها تضعف الحجة الجمركيّة الصرفة، لتبقى المسئوليّة الجنائيّة للشخص الذي قام بإدخال التعديلات، بينما تترتب المسئوليّة الإداريّة والمدنيّة على المالك الحالي الذي يمتلك واجب التأكد من مطابقة مركبته للوثائق الرسميّة.
– المحور الثاني: تشريح المسئوليّة: بين الحامل البريء والفاعل الخفي
يبدو الوضع القانوني واضحًا: المالك الحالي هو الطرف الأكثر عرضة للمساءلة القانونيّة المباشرة، كونه حارس الشيء والمستفيد منه طبقًا لمقتضيات قانون الالتزامات والعقود المغربي او القانون المدني. لكن هذا الوضوح الشكلي يخفي إشكالية عدالية عميقة، وهي: إلى أي حد يمكن تحميل المستعمل النهائي، أي المالك الذي قد يكون جاهلًا بالتبعيّة الأصليّة للدراجة؛ تبعات وِزر خطأ بدأه مستورد محترف أو ورشة تعديل؟ مع استحضار مبدأ لا يعذر أحد بجهله القانون، لكن ماذا عن التدليس أو الغش وإخفاء عيوب؟
هنا، ينقسم مشهد المسئوليّة إلى ثلاثة مستويات:
1. المسئوليّة الجنائيّة: وتستهدف بالأساس، الفاعل المباشر (أي المعدّل) والمستورد المتلاعب. لكن إثبات العلم والقصد الجنائي هو العائق الأكبر في ملاحقة البائع أو الوسيط التجاري، ما لم تثبت تواطؤه.
2. المسئوليّة المدنيّة: تمثل الميدان الأرحب لتعويض المالك “حسن النية”. يمكن له الرجوع على البائع بدعوى العيب الخفي أو التدليس أو الغش، بغض النظر عن علم البائع، طالما أثبت أن التعديل كان قائمًا وقت البيع.
3. المسؤولية الإدارية: هي الأكثر إيلامًا للمالك، والتي تتمثل في حجز الدراجة وإلغاء تسجيلها، وهي عقوبة تصيب الأصل المالي مباشرة، بغض النظر عن حسن أو سوء نيته.
هذا التقسيم يفرض سؤالاً مصيريًا: ألا يؤدي التركيز الميداني للمراقبة على المستعمل البسيط إلى إفلات الفاعلين الاقتصاديين الكبار (المستوردون، الموزعون، ورشات التعديل المنظمة) من طائلة القانون، مما يُفقد الحملات تحقيق الردع العام والخاص، الحقيقي ويحولها إلى مجرد سياسة عقابيّة في إطار ما يسمى في تمغربيت ب: “الحملة على أصحاب لمْواترْ أي الدرجات الناريّة”؟
– المحور الثالث: نحو مقاربة شموليّة: من العدالة العقابيّة إلى العدالة النظاميّة
إن معالجة الظاهرة لا تكمن في تشديد العقوبات على المالكين فقط، بل في إعادة هندسة النظام برمته لسد الثغرات التي تتيح ولادة هذه السوق السوداء الموازيّة.
هذا يتطلب مقاربة متعددة المستويات والأبعاد:
1. تعزيز الرقابة عند المنبع: تشديد إجراءات الفحص التقني عند الاستيراد وعند التسجيل الأول، والربط الإلكتروني المباشر بين إدارة الجمارك وإدارة التسجيل (المصالح المختصة للتوقيف التقني)، لمنع “غسل” هوية المركبات المعدلة.
2. تحديد المسئوليّة بالسلسلة: تطوير أطر قانونيّة تسمح بمتابعة جميع حلقات السلسلة (مستورد، موزع، بائع، ورشات تعديل الإطارات والأسطوانات للتحايل على القوة الجبائية والتأمين ورجال شرطة المرور…) بشكل تتابعي في حالة اكتشاف التلاعب، بنظام مسئوليّة تضامنيّة.
3. التوعية كأداة وقائية: كثير من المستهلكين يقعون ضحية لعدم الدراية. حملات توعوية توضح العواقب القانونية والمالية (مثل إلغاء البطاقة الرمادية وخسارة القيمة كاملة) يمكن أن تقلص الطلب على هذه المنتجات غير القانونية.
4. التفكير في حلول استباقية: هل من الممكن، مثلًا، إنشاء إجراء استثنائي لتسوية وضع الدراجات المعدلة سابقًا مقابل غرامة متدرجة وإخضاعها لفحص تقني يثبت سلامتها، ثم إعادة تسجيلها بمواصفاتها الفعلية؟ هذا من شأنه تفكيك جزء كبير من السوق السوداء مع الحفاظ على سلامة الطرق.
– المحور الرابع: بين الخطأ والغلط والممارسة الاجتماعيّة: جدليّة المسئوليّة الملتبسة
تتعقّد معادلة المسئوليّة حين نُميّز بين مفهوم الخطأ بمعناه القانوني، أي المخالفة الواعيّة للنصوص (التصريح الكاذب، التعديل غير المرخّص)، ومفهوم الغلط بمعناه الاجتماعي، أي توهّم المالك أو البائع أن الوضعيّة قانونيّة بينما هي في الواقع مخالفة للحقيقة.
هذا التمييز، وإن كان واضحًا في النظرية القانونيّة، يذوب في الواقع المعيشي حيث تصبح الممارسة الاجتماعيّة الرائجة غطاءً يعيد إنتاج الخلط بين مفهومي الخطأ والغلط.
فالمشتري الذي يرى أن الغالبية يقتنون الدراجات دون تدقيق تقني، قد يبني سلوكه على ما يعتقد أنه ممارسة “عاديّة”، دون أن يدرك أنه يسقط في دائرة المخالف للقانون.
وهنا يثار سؤال محرج: إلى أي حد يمكن تحميله عبء الخطأ وهو لم يتجاوز دائرة الغلط؟
غير أن المشكلة الأعمق تكمن في البنية المؤسسيّة: فضعف الرقابة الجمركيّة والتقنيّة عند المنبع؛ هو ما يفتح الباب لتوالد هذه السوق الرماديّة.
وبذلك، يُلقى العبء في النهاية على المالك الأخير؛ الحلقة الأضعف؛ بينما يظل الفاعل الأصلي، المستورد أو المعدّل المحترف، في كثير من الأحيان خارج دائرة المتابعة القانونيّة والقضائيّة.
إن هذا الوضع يفرض إعادة طرح مفهوم المسئوليّة في سياق اجتماعي جد هش: هل العدالة تتحقق بمجرد معاقبة من وُجدت المخالفة في حيازته، أم أن العدالة الحقيقيّة تستدعي توزيع المسئوليّة عبر السلسلة والمسارات بأكملها: من المؤسسة الرقابيّة التي قصّرت، إلى الفاعل الاقتصادي الذي تلاعب بعنصر الثقة الذي تقوم عليه المعاملات التجاريّة والماليّة، وصولاً إلى المستعمل أو الملك الذي قد يكون ضحية توهّم مشروع؟
– خلاصة تأملية: إعادة تعريف المسئوليّة في فضاء نظام اجتماعي هش
تبقى إشكالية الدراجات الناريّة المعدلة نموذجًا صارخًا لظاهرة قانونيّة أوسع: الصراع بين الصرامة القانونيّة والواقع الاجتماعي والاقتصادي.
إن الملاحقة المركزة للمالك الأخير، وإن كانت مشروعة قانونيًا، تطرح إشكاليات عميقة تتعلق بالعدالة التوزيعيّة وفعالية السياسات العموميّة الأمنيّة والقانونيّة.
السؤال الجوهري الذي تتركه هذه الورقة البحثيّة معلقًا ومفتوحاً: من يحاسب الأنظمة المؤسساتيّة نفسها على فشلها في الحيلولة دون ولادة هذه السوق الرماديّة الموازيّة، وعلى إلقاء كامل ثمن هذا الفشل على أكتاف الحلقة الأضعف في السلسلة؟
الجواب على هذا السؤال قد يكون المفتاح لتطوير مقاربة أكثر إنصافًا وفعاليّة، لا تقتصر على تحقيق ردع ومعاقبة المخالفين، بل على منع المخالفة من الأساس، وهي الغاية العليا لأي تشريع.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛
المفكّر والباحث المغربي المتخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والأنثروبولوجي والاقتصادي والثقافي والبيئي؛ من مواليد 13 يونيو 1970 بفم زكيد إقليم طاطا؛
يُعد من أبرز الأسماء في المشهد الأكاديمي والثقافي بالمغرب.
– محصل على شهادة الإجازة في الحقوق (تخصص الإدارة الداخليّة)
– ومحصل على شهادتين للدراسات العليا:
1. الأولى في علم السياسة
2. والثانية في علم الإدارة.
– محصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإداريّة.
– محصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق
* وذلك كله بكليّة الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش
* له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته:
* الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
* الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)،
* والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
* الصوفيّة وأدوارها في الأمن المجتمعي: من آليات الضبط التقليدي إلى رهانات الاستئناف الروحي في زمن الأزمات (كتاب جماعي (2025)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...