طلحة جبريل
كان العالم يُقسَم إلى دولٍ مُستعمَرة (بكسر الميم) ودولٍ مُستعمِرة (بفتح الميم). ثم أصبح يُقسَم إلى دول “المعسكر الرأسمالي” و”المعسكر الاشتراكي”. لاحقاً، أُضيف إليهما معسكر ثالث هو “دول عدم الانحياز”.
مع مطلع الألفية الثانية، بدأت هذه التقسيمات تتلاشى، وهيمن المنظور الاقتصادي. أصبح العالم يُقسَم إلى دول “غنية” وأخرى “فقيرة”، ثم ترسّخت فكرة “شمال غني” و”جنوب فقير”. حالياً، يُنظر إلى العالم من زاوية “متحضّر” و “متخلّف”.
أنتقل إلى واقعة ترتبط بما يُسمّى “العالم المتحضّر”. اختارت سويسرا أن تتوسّد أموال الأغنياء المودعة في مصارفها، وعلى الرغم من الضغوط الدولية، رفضت التنازل عن مبدأ سرية الحسابات المصرفية.
سأسرد لكم واقعة ترتبط بهذه السرية.
في أواخر عام 1984، اتصل بي أحد الأصدقاء وأبلغني أن أسرة محمد خيضر، أحد القادة التاريخيين الخمسة للثورة الجزائرية، وافقت على إجراء حوار صحافي كنتُ قد سعيت إليه طويلاً.
ارتبط اسم محمد خيضر، أول سكرتير عام ” لجبهة التحرير الوطني الجزائرية”، بما عُرف باسم “كنز الثورة الجزائرية”.
كانت أموال الثورة الجزائرية قد أُودعت باسمه في البنوك السويسرية خلال فترة الكفاح، وظلّت كذلك بعد الاستقلال. استقال خيضر من المكتب السياسي للجبهة عام 1963 بعد خلافه مع أحمد بن بلة، لكنه احتفظ بمنصبه في الإشراف على ميزانية الحزب، ثم غادر إلى المنفى. حاولت الحكومة الجزائرية مراراً استرداد تلك الأموال، لكنها لم تستطع، لأن التوقيع المعتمد لدى البنوك كان توقيع محمد خيضر فقط.
عاد خيضر إلى الجزائر عام 1962، وطالبته حكومة بن بلة بإعادة الأموال، لكنه امتنع، فصدر قرار باعتقاله، ففرّ إلى الخارج. أعلن لاحقاً أن الأموال ستُستخدم لمناهضة نظام بن بلة، فصدر حكمٌ بالإعدام ضده بتهمة “اختلاس أموال الثورة”. بعد وصول هواري بومدين إلى الحكم، استؤنف الحوار معه، لكنه اشترط إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وعلى رأسهم حسين آيت أحمد.
في الثالث من يناير 1967، أُطلقت خمس رصاصات على محمد خيضر في مدريد، فأردته قتيلاً. عندما التقيت زوجته، روت لي القصة كاملة. في عام 1970، سلّمت جميع الوثائق المتعلقة بالأموال إلى الحكومة الجزائرية، والتقت بومدين الذي وعدها بإصدار بيان يبرّئ ذمة زوجها، لكنه لم يفعل.
رغم حصول الحكومة الجزائرية على الوثائق، لم تستطع استرداد الأموال من البنوك السويسرية، ما أدى لاحقاً إلى قطع العلاقات بين الجزائر وسويسرا. كان موقف سويسرا يُختصر بجملة واحدة: “الأموال لمودعيها فقط” .
بعد قطع العلاقات بين الجزائر وسويسرا بسبب قضية “كنز الثورة الجزائرية”، لم تُسترد الأموال المودعة باسم محمد خيضر، وظلت القضية معلقة لعقود، رغم محاولات دبلوماسية لاحقة لم تُثمر عن نتائج ملموسة.
في أعقاب ذلك، تدهورت العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر وسويسرا، وبلغت ذروتها بقطع العلاقات رسمياً. لكن حتى بعد هذا التصعيد، لم تُحرز الجزائر تقدماً في استعادة الأموال، التي قُدّرت حينها بما بين 10 إلى 15 مليون فرنك سويسري.
في عهد الرئيس هواري بومدين، جرت محاولات لإعادة فتح الملف، لكن البنوك السويسرية رفضت التعاون دون وجود تفويض قانوني مباشر من محمد خيضر، الذي كان قد اغتيل.
في السبعينيات والثمانينيات، حاولت الجزائر عبر وسطاء دوليين ودبلوماسيين الضغط على سويسرا، لكن الأخيرة تمسكت بموقفها: “الأموال لمودعيها فقط”.





