النورس والطفلة.. وجوه القسوة في عالم الصور 

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

طلحة جبريل

 

 

 

ظل مشهد طيور النورس البيضاء التي تحوم فوق البحارة في عدة موانئ مغربية، خاصة مدينة الصويرة، من المشاهد التي تحفّز الكتابة. هؤلاء البحارة يواجهون أمواج البحر صيفًا وشتاءً، في مشهد مثير ومحفّز للتأمل.

في أكثر من مرة كتبت عن طيور النورس التي تصطف بكيفية عجيبة في صف واحد فوق الأسطح المائلة قرب الشواطئ بعد أن شبعت سمكًا. لكنني شاهدت على سطح عمارة قرب شارع “حسن الصغير” بوسط الدار البيضاء واقعة جعلتني أشمئز كثيرًا من طيور النورس.

كان المشهد كالتالي: حطّ طائر من طيور النورس على سطح عمارة، حيث كانت هناك مجموعة من الحمام. انقضّ النورس على حمامة صغيرة، وراح ينقر جسدها بمنقاره الحاد. كانت تلك الحمامة التعيسة تحاول في كل مرة أن تنفك من براثنه وتطير بعيدًا عن هذا التعذيب، لكن النورس كان يحول بينها وبين الإفلات.

مشهد مؤلم. كنت في الطابق الرابع من عمارة في الجانب الآخر من الشارع، لذلك لم أجد وسيلة لإنقاذ الحمامة الصغيرة، رمز السلام والطمأنينة. شاهدت بحزن وألم كيف راحت تلك الحمامة تلفظ أنفاسها فيما ينشب النورس مخالبه في جسدها الرخو.

مشهد يبعث على الاشمئزاز. لفظة “كراهية” خارج قاموسي، لكن بصدق كرهت هذا النورس.

لا أدري لماذا قفزت إلى ذهني صورة “طفلة المجاعة” في جنوب السودان قبل أن ينفصل عن السودان. هي صورة لطفلة تتضور جوعًا، هبط قربها نسر، وقيل إنه افترسها، لكنها رواية غير صحيحة.

التقط تلك الصورة مصوّر يدعى “كيفين كارتر” من جنوب أفريقيا، ونال بها في مايو 1994 جائزة بوليتزر العالمية. وبعد تلك الجائزة انتحر في يوليو من السنة نفسها، وقيل الكثير عن أن الصورة كانت سببًا في انتحاره، لكن المؤكد أن تلك الرواية لم تكن صحيحة. ربما جرى تداولها لإضفاء مزيد من “الدراماتيكية” على موت مصوّر شاب لم يتجاوز الثالثة والثلاثين.

في تلك الصورة بدا نسر ينتظر موت طفلة بائسة لينقضّ على جسدها المنهك بسبب الجوع. صورة روعت العالم عقب نشرها في صحيفة نيويورك تايمز في مارس 1993.

أشعلت الصورة وقتها حب استطلاع عالمي لمعرفة مصير الطفلة، ثم طرحت مسألة أخلاقيات المهنة، ومن ذلك الأسباب التي جعلت المصوّر يبحث عن لقطة مثيرة للغثيان ولا يحاول إنقاذ الطفلة. وأثار موقفه سيلًا من الانتقادات، خاصة حين تخيّل الناس أن النسر انقضّ على جسد الطفلة البريئة، فارتسم في أذهانهم مشهد مرعب يبعث على القشعريرة.

حاليًا أنا على وشك أن أرسل كتاب طفلة المجاعة إلى المطبعة، وفي ظني أن الكتاب يتطرق إلى “عوالم الصور” بتفاصيل غير مسبوقة.

من سطح عمارة في الدار البيضاء إلى قرية نائية في جنوب السودان، تتكرر صور القسوة بأشكال مختلفة. بين حمامة تنهشها مخالب النورس، وطفلة يترقبها نسر.

 يظل السؤال معلقًا: هل تكفي الصورة لتوثيق الألم، أم أن إنسانيتنا تُختبر في لحظة الإنقاذ؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...