طلحة جبريل
يأتي الطلاب عادة إلى مؤسسات التعليم العالي وفي ذهنهم أن يمتهنوا مهنة يرغبون فيها.
من يختاروا الآداب، يكون لديهم ميل إلى “الرفاهية الذهنية”.
يدرسون التاريخ لأنهم يرغبون في معرفة ماذا كان يحدث في الماضي، وكيف يفهموا الحاضر والمستقبل.
يختارون الجغرافيا، ليكتشفوا العالم كيف كان، وكيف سيكون.
يميلون إلى الفلسفة لأن لديهم أسئلة كونية.
يتجهون إلى دراسة “الاجتماع” لأن المجتمع هم نحن وأنتم.
يستهويهم “علم النفس” لأنهم يريدون فهم الأشخاص عبر تحليل تصرفاتهم.
اختيار الآداب سببه واضح، أن يغوصوا في اللغات وآدابها وفهم الشعوب التي يتحدثونها.
يقررون دراسة الحقوق أو العلوم السياسية، وفي ظنهم أن “القانون” و “السياسة” هي التي تتحكم في المجتمعات.
يعجبهم الاقتصاد لأن لغته عنيدة، إذ هو الحقائق والعلم الحديث الذي يضبط الإنتاج وعلاقاته، المال ودوراته.
الطب والهندسة والفلاحة والمحاسبة. مهن لا تحتاج إلى شرح.
لكن ماذا عن الإعلام.
يأتي الطلاب إلى الإعلام وفي اعتقادهم إنه “نجومية التلفزيون”. عندما تقول لهم إن الإعلام هو “الكتابة” وليس الشاشة. يحدث الخلط.
تقول لهم إن هو “ناقل محايد للمعلومة، يجب عليه ألا يتأثر بما حوله، وأن يلتزم حيادا صارماً.
إذا قلت لهم إذا كتبتم عن “جينيفير لوبيز” أو “الحوثيون في اليمن” يجب أن تبقوا على حيادكم.
عندها تزداد الأمور اختلاطاً.
هنا يصبح عليك إقناع طلابك أن “الصحافة” هي “معلومة” مكتوبة أو مسموعة أو مرئية.
هذه مشكلتي معهم. أما مشكلتهم معي، هي أن الحياة من حولهم لا تساعد على شرح الفكرة.
على سبيل المثال يأتي الطلاب إلى القسم يحمل كل واحد منهم هاتفاً ذكيا أو غبياً ينقل له ما يروج خارج حجرات الدرس، إذن ما الداعي أصلا ليستمع إلى دروس علمية جافة تبدو عسيرة في بعض الأحيان.
عندما تصل إلى مرحلة يقتنعون فيها أن يصيخوا السمع لما تقول، تجد أنهم على أعتاب التخرج.
لعل من مفارقات هذا العصر أن وسائل الاتصال الحديثة، والشبكات الاجتماعية، تعقد مهمتك وأنت تحاول أن تشرح لهم أن الصحافة هي تدفق ورواية المعلومات بكيفية صارمة.
لذلك تجد نفسك في معظم الأحيان تسعى أن يلتزموا صمتاً ليسمعوا ما يفيد.
في أغلب الأحيان تذروا الرياح ما تقول.
ظني أن طالب الصحافة يجب أن يخضع لاختبار مسبق قبل أن يدرس المهنة.
حجتي أن ليس كل من دخل معهداً موسيقياً يمكن أن يكون موسيقاراً، ومؤكد أن لاعبي كرة القدم لا يتخرجون من معاهد التربية البدنية.
مشكلتي مع طلابي أنني أكسب عواطفهم ومودتهم لكنني لا أكسب عقولهم.
هناك استثناءات.
يبقى الرهان كسب هذه العقول. وهي مهمة ليست سهلة.





