الصحافة تحتاج إلى سقف حرية مرتفع.. والخيار الأمثل هو “الصحيفة الهجين”

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

طلحة جبريل

 

 

إذا كانت الصحافة تنشر الوعي، أو هكذا يُفترض، فهل هناك الآن من يهتم؟

أقول، مطمئناً تماماً لما أقول، إن عدم التزام المحررين بقواعد المهنة يؤدي إلى اختلاط الأمور، إلى حدٍّ تصبح فيه الكتابة نفسها بلا ضوابط.

ما يزال الجدل يتصاعد حول مصير “الصحافة الورقية” بعد تطور وسائل “الإعلام الرقمي”، الذي عماده الشبكات الاجتماعية، عبر الأقطاب الستة: “يوتيوب” و”فيسبوك” و”لينكد إن” و”إنستغرام” و”محرك قوقل” و”إكس”.

سبق أن كتبت أن “الصحيفة” باتت تماثل أكلة في مطعم تقليدي باذخ، يأتي النادل فيه للزبون بقائمة الأكلات المتوفرة، فيختار منها واحدة، يأكلها، ثم يسدد ثمنها وينصرف. ثم جاء الآن من يقترح على الزبون نفسه “بوفيهاً مفتوحاً” فيه أطعمة من جميع الأصناف، يمكنه أن يختار منها ما يريد، وكل ذلك مجاناً. مقارنة طريفة، ولا شك، لكنها لا تعدو أن تكون مقارنة سطحية ساذجة.

في ظني أن الشبكات الاجتماعية والمواقع الإلكترونية تقدم وجبات سريعة (fast food)، وهي أكلات لها أضرار لا تُحصى.

هذا يعيدنا إلى موجة سادت قبل عقود طويلة ضد التقارير الإخبارية المطولة. كان صاحب تلك الفكرة الصحافي البريطاني “ألفريد هارمز وورث”، صاحب صحيفة “ديلي ميل”، الذي دعا إلى “صحافة الساندويتش”، وقال إن كلمات أي تقرير يجب ألا تتعدى 250 كلمة، وجرب هذه الفكرة في “ديلي ميل”، متأثراً في ذلك بفكرة “الساندويتش” التي بدأت في بريطانيا، ثم تطورت في أم{ وكان رأي “هارمز وورث”أن هذا الاختيار يتماشى مع إيقاع العصر ورائحته ومذاقه.

ومن هذه الفكرة انطلقت “مدرسة كولومبيا”، التي قالت إن الصحافة هي الإثارة. هؤلاء الذين يتحدثون الآن عن ريادة شبكات “التواصل الاجتماعي” في نقل الأخبار ينطلقون من تصور مماثل. يقولون مثلاً إن شبكة “فيسبوك” أصبحت أهم منصة تواصل. إنهم ينطلقون من فكرة “هارمز وورث”، أي اختزال الأخبار إلى أقصى حد.

وعندما يتحدثون عن “المنشورات” أو “التغريدات” أو “القصة (story)” باعتبارها أهم وسائل التواصل، يريدون منا أن نختصر الأخبار، بعد أن رفعت بعض الشبكات عدد الكلمات.

يُفترض في الصحافة أن تعتمد، قبل كل شيء، على تقديم وجبة دسمة ومتوازنة، اعتماداً على الأجناس الصحافية التي تحتاج جهداً ميدانياً، مثل: التحقيق، والاستطلاع، والحوار، والبورتريه، والقصة الملونة، والقصة الخبرية، والمشاهدات. ويُضاف إلى كل ذلك اعتماد منهج “الصحافة الاستقصائية”.

تأملوا كيف صمدت الصحافة في أميركا والدول الإسكندنافية، سواء الورقية أو الإلكترونية.”الصحيفة الهجين” التي تجمع بين الإلكتروني والورقي.

هذا هو عمق المسألة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...