طلحة جبريل
ذات يوم ذات سنة، اكتشفت فندق “شالة”. كان لك فيه ركناً قصياً، وأمسيات وليالي. كان فندقاً يؤوي السياح الباحثين عن مرقد في الرباط. كانت الرباط بالنسبة لك في تلك السنوات التي مضت، مرقداً كبيراً.
الرباط مدينة لا تسهر إلا قليلاً، لا تسمح لليل أن يعبر إلى الغد.
أي الليالي لا تصبح فجراً. مدينة تتوقف تماماً قبل الدجى. لا يبقى من الساهرين سوى المتسولين والقطط الضالة.
في زمن مضى سياح يأتون من كل الأصقاع، يمضون ليلة أو اثنتين في “شالة”، ثم ينتقلون إلى حيث المغرب السياحي. تحاول الرباط جاهدة أن تنعش سياحتها، حققت نجاحاً في هذا الرهان.
كان فندق” شالة” أيامئذ، لأولئك السياح هو المطعم الواسع، حيث الوجبات التي تتكرر كل مساء. حساء ساخن، وشريحة لحم أو دجاج، وقليل من الفواكه.
وعلى الرغم من ذلك كان أولئك السياح يأكلون. يثرثرون. يضحكون. وينتقلون من قاعة الأكل الى غرفهم يتأبطون معهم قارورة مياه من دكان مجاور للفندق. ثمة شريحة من السياح الذين يمضون أياماً وليالي في المدن المغربية، لكن لا يشترون شيئاً.
الفندق أيامئذ هو مطعم” الكانون” الذي يقدم المشويات على الجمر. كان مكاناً للعشاق وقصص حب مختبئة خلف الجدران والأضواء الخافتة. كان كذلك هو عشاء ليلة السبت، والكلام الهامس الجميل.
ثمة حانة يلتقي فيها صحافيون وإذاعيون. يعيدون قراءة الصحف ويتبادلون النميمة. نميمة تجعل المدينة بلا أسرار. النميمة التي قال عنها الراحل إدريس الخوري ذات يوم : “الكتابة هي النميمة”.
كنت تذهب إلى هناك كل مساء تحمل رزمة الصحف وكتاباً، تروي ما تظن أنه ظمأ للمعرفة والأخبار، تمص لفافات التبغ. تسبح في خيالات.
أمسيات “شالة” هي بداية شرخ في حياة قلقة، جعلتك تعيش يوم هنا وليلة هناك.
الرباط مدينة تجعلك تتذكر باستمرار، إذ هي مدينة تجعلك تنسى باستمرار أيضاً. كان هناك أصدقاء، بعضهم طواه الزمن، وآخرون غابوا في الزحام.
ذلك الركن لم يكن مجرد مكان، بل ذاكرة تتنفس.
المكان الذي قال عنه غاستون باشلار إنه يتحول إلى “عالم” في بعض الأحيان.
كنت تحبذ أن تتأمل ضجيج السياح وهم في تلك القاعة الفسيحة يأكلون أكلاتهم الماسخة. أو بعض الزوار العابرين الذين تواعدوا في “شالة” إذ أنها في وسط المدينة. وأحياناً الذين يأتون إلى إذاعة الرباط ” دار البريهي” أو يخرجون منها. خلال ذلك تقرأ وتسجل في جذاذات بعض أجمل ما قرأت.
كان ذلك الفندق مكاناً هادئاً أنيقاً. كنت تتأمل وتتذكر وتعيش أمسيات رائقة.
جاء زمان لا طعم فيه للصباحات أو الأمسيات.
يا ترى ماذا حدث؟ آه منك يا هذا الزمان. هل تغير الزمان أم نحن الذين تغيرنا.





