الجيل الجديد من برامج التنميّة المُندمجة: من منطق الإعانة إلى فلسفة التمكين

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار

 

 

* قراءة في التحول المفاهيمي الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس نحو تنمية مُستدامة عادلة وفاعلة
– أولًا: من الفكرة إلى الرؤية
حين يدعو جلالة الملك محمد السادس إلى “الجيل الجديد من برامج التنميّة”، فإنه لا يضيف لبنة جديدة إلى منظومة قائمة؛ بل يؤسس لوعيٍ جديد بطبيعة التنميّة ذاتها.
التحول هنا ليس في الشكل؛ بل في الجوهر: من التنمية كمشروع إداري إلى التنمية كحياة يوميّة قابلة للعيش والقياس.
فهي نقلة من زمن الوعود المؤجلة إلى زمن الفعل الفوري، ومن الإعانة الرمزيّة إلى التمكين العملي المستدام.
بمعنى آخر يقول الأوضح، نحن أمام ثورة هادئة في فلسفة التنميّة، تضع الإنسان في قلب السياسات العموميّة لا في هامشها، وتعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس المشاركة في صنع الجدوى لا انتظارها.
* ثانيًا: التحول الميداني: العدالة المجاليّة كمنهج لا كشعار
المثال الذي يقدمه جلالته في خطابه التنموي من الواقع الفلاحي في مناطق الجبال والواحات، يختزل هذا المعنى العميق.
فحين يحصل الفلاح على أشجار مثمرة بالغة لا على فسائل تنتظر سنوات لتثمر، فإن الدولة لا تمنحه غرسًا فقط، بل تختصر له المسافة بين الجهد والعائد، وتمنحه زمنًا اقتصاديًا جديدًا.
بهذا الفعل البسيط في مظهره، تتحقق عدالة مجاليّة واقعيّة: فالمواطن في الجبل أو الواحة ليس مطلوباً منه أن ينتظر طويلاً ولسنوات حتى تثمر التنميّة، بل أن يراها تتجسّد أمامه في دورة إنتاج قريبة المدى.
وحين تُقدَّم للفلاح ألواح الطاقة الشمسيّة لتخفيف كلفة السقي، وتُحدد له مواقع المياه الجوفيّة، ويُعان في حفر بئره، فذلك ليس دعمًا مادّيًا فقط، بل تأسيس لسيادة اقتصاديّة مصغّرة تحرّره من التبعيّة الطاقيّة والمائيّة.
هنا، تتحول التنميّة إلى هندسة للكرامة الوُجُوديّة للإنسان، وإلى مشروع وجودي يربط الإنسان بأرضه من جديد، ويعيد بناء ثقته في قدرته على أن يعيش من إنتاجه، لا من انتظاره.
* ثالثًا: من “الشنّاقة” إلى شبكة التسويق العادلة
في هذا الجيل الجديد من برامج التنميّة، يُعاد بناء السلسلة الاقتصاديّة من القاعدة إلى القمة. الفلاح والصانع والحرفي، لم يعودوا عناصر هامشيّة في السوق، بل أصبحوا ركائز الاقتصاد المحلي المنتج.
ضمان شبكة تسويق عادلة للمنتوج الوطني هو جزء من فلسفة الحماية الاقتصاديّة للمواطن، حتى لا يبقى رهينة لجشع الوسطاء أو “الشنّاقة” الذين شكّلوا عبر التاريخ غير الرسمي نوعًا من الضرائب الموازيّة على عرق جبين الناس.
إن الدولة هنا لا تتدخل لتوزيع المساعدات، بل لتؤمّن البيئة التي تجعل من العمل المنتج عملاً له جدوى وأثر، ومن العطاء الفردي مساهمة في دورة الازدهار الجماعي.
* رابعًا: فلسفة الملك في التدبير: المساواة بين البئر والسد
في هذا السياق، تكتسب عبارة جلالة الملك بعدًا فلسفيًا عميقًا حين يقول: “إن مسئوليّة وشرف خدمة المواطن تمتد من الاستجابة لمطالبه البسيطة إلى إنجاز المشاريع، صغيرة كانت، أو متوسطة، أو كبرى… فليس هناك فرق بين مشاريع صغيرة وأخرى كبيرة، وإنما هناك مشاريع تهدف لتلبية حاجياّت المواطنين.”
بهذا التصور، يُعاد ترتيب موازين القيمة في الفعل التنموي: ف”حفر بئر” و”بناء سد” يلتقيان في الهدف ذاته؛ خدمة الإنسان وتأمين معيشه؛ وبالتالي يتساويان في رمزيتهما الوطنية.
هنا يصبح المشروع الصغير مجازًا عن العدل القريب، كما يصبح المشروع الكبير مجازًا عن الرؤية البعيدة، وكلاهما لبنتان في المعمار المغربي الجديد الذي يجمع بين دقة التدبير ومهابة الرؤية.
* خامسًا: من التنميّة كبرنامج إلى التنميّة كرؤية وجوديّة
الجيل الجديد من برامج التنميّة ليس “خطة خماسيّة” ولا “برنامجًا قطاعيًا”، بل هو وعي جديد بالدولة والمجتمع والإنسان.
هو انتقال من منطق المساعدات إلى منطق إطلاق الممكنات، من انتظار الإصلاح والتغيير إلى المشاركة في صناعته.
إنه تحوّل من التنميّة كأداة لتقليص الفقر والهشاشة، إلى التنميّة كشرط للحرية والكرامة.
في هذا الإطار، يغدو كل مشروع محلي لبنة في بناء سيادة وطنيّة شاملة.
فحين تتعادل رمزيًا قيمة البئر وقيمة السد، ندرك أن المغرب لا يبني منشآت فقط، بل يبني أخلاقًا جديدة في الحكم والتنميّة؛ أخلاقًا تجعل من كل قطرة ماء مشروع حياة، ومن كل فلاحٍ أو حرفيٍّ، خليّةً حيّة في جسد وطن يتنفس بالعدالة والكرامة والعمل المنتج.
* الخلاصة التأمليّة: نحو فلسفة مغربيّة للعيش الكريم
إن التحول الذي يرعاه جلالة الملك محمد السادس هو أكثر من سياسة عموميّة؛ إنه مشروع حضاري لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والأرض والدولة.
بهذا المعنى، “الجيل الجديد من برامج التنميّة” ليس مجرد شعار تنفيذي، بل وعي مغربي متجدد بأن التنميّة الحقيقيّة تبدأ حين نزرع الأمل في الأرض ذاتها، لا حين ننتظره من بعيد.
إنها تنميّة تُنصت لنبض المواطنات والمواطنين، وتستثمر في طاقته، وتُعيد بناء الثقة في أن الوطن قادر على أن يُنتج كرامته من داخله، لا أن يستوردها أو يستعيرها من الخارج، استعارة مؤلمة حيث لا تراعي خصوصيّاته ومُمكناته المُتاحة.

* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...