* الدكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار
لم تعد حماية المنتجات الفلاحيّة المحليّة مجرّد فعلٍ اقتصادي، بل غدت اليوم موقفًا معرفيًا وأخلاقيًا مزدوجًا؛ موقف يربط بين صون الذاكرة الزراعيّة للمغرب وحماية إرثه البيولوجي في زمن تتسارع فيه التحوّلات وتشتدّ فيه التهديدات.
ومن بين هذه الكنوز التي تقف على حافة الاندثار أصناف التمور المغربية مثل بوفقوس وبوسكري والجيهل والخلط وبوطيوب وأگليد وبوستحمي وإيكلان وبوسليخن…؛ وهي أسماء تحمل في نطقها وتعبيراتها جزءً من التاريخ الاجتماعي والثقافي لمجتمع الواحات المغربية.
وتبرز تمور فم زكيد، وعلى رأسها صنف بوسكري، وهو نوع من التمور المغربيّة الفاخرة؛ كنموذجٍ دالّ على هذا التفاعل بين الأرض والهوية.
هذا الصنف الذي حظي منذ بدايات القرن 19 باهتمام الباحثين والبعثات الاستكشافيّة الفرنسيّه من العسكري (جورج سبيلمان) إلى الرحالة (شارل دو فوكو)؛ لم يُدرس بوصفه منتجًا زراعيًا فقط، بل باعتباره نافذة لفهم بنية المجتمع المحلي، وأنماط عيشه، وطرائق تعامله مع الواحة بوصفها فضاءً بيئيًا واجتماعيًا مركبًا.
ولعل التسميّة التي أطلقها الباحثون لذلك الصنف هي: “Bonne et sucrée”، لم تكن مجرّد توصيفٍ لذوقه الحلو ولذّته، بل كانت أيضًا تعبيرًا عن دهشة المستكشف أمام نظام زراعي محلي متين، قائم على معرفة دقيقة بالأرض والماء والنخلة، وعلى خبرة تُورّث كأنها فصل من كتابٍ غير مكتوب، تتناقله الأجيال عبر الممارسة لا عبر النصوص.
* آلية الإكثار بين الفسيلة والنواة: دلالة بيولوجيّة ومعرفيّة
ومن الخصوصيات العلمية التي تميّز أصناف التمور المحلية في المغرب أنّها لا تُستنسخ عبر النوى (البذور)، بل عبر الفسيلة المنحدرة مباشرة من النخلة الأم.
فمن الناحية البيولوجية، يؤدّي الإكثار عبر النواة إلى ظهور نخلة جديدة تختلف في خصائصها عن الأصل، سواء في شكل الثمرة أو مذاقها أو زمن نضجها أو مقاومتها للظروف المناخيّة، وهو اختلاف طبيعي يعكس ما يمكن وصفه بإرادة التنوع المزروعة في الكائنات. (يسمى تمور الخلط).
إنّ هذه الظاهرة ليست مجرّد معطى تقني، بل تحمل دلالة عميقة:
فالنواة، على الرغم من كونها تنبثق من النخلة الأم، تُعطي كائنًا جديدًا لا يطابقها، وكأنّ الخَلق يصرّ على مبدأ التنويع الذي تنبني عليه الحياة، «وتلك حكمة الخالق الذي في خلقه شؤون».
في المقابل، يضمن الإكثار عبر الفسيلة استمرارية الصفات الجينية للصنف الأصلي، وهو ما يجعل أصنافًا مثل بوسكري، أگليد، جيهل أو إيكلان تُحافظ على نقائها عبر الأجيال، بشرط صون سلسلة الفسيلات وعدم انقطاعها.
ومن هنا يتبيّن أنّ الفلاح المحلي لا يقوم بعملية زراعية فحسب، بل يمارس شكلًا من أشكال حفظ الذاكرة الجينيّة للنخلة، وهي ذاكرة قد تضيع إلى الأبد إذا انقطع نسل الفسيلة أو هلكت الأم بفعل الأمراض، وعلى رأسها البايوض.
وتكشف هذه الخاصية، في بعدها السوسيو-أنثروبولوجي، عن علاقة دقيقة بين الإنسان والنخلة: علاقة تقوم على إدراكٍ عميق لطبيعتها البيولوجية، وعلى احترام لنظام التناقل الطبيعي للأصناف.
كما تمنح هذه العلاقة معنى استراتيجيًا يتجاوز الزراعة، إذ يصبح استمرار الفسيلة شرطًا لاستمرار الصنف، واستمرار الصنف شرطًا لاستمرار هوية الواحة، واستمرار الواحة جزءًا من استمرار الأمن الغذائي والثقافي للمغرب.
غير أنّ هذا الإرث يواجه اليوم تهديدًا خطيرًا يتمثّل في انتشار مرض البايوض، الذي ألحق خسائر فادحة بأجود أنواع النخيل المغربي، ووقف سدًّا أمام استمرار هذه الأصناف النادرة التي تحمل في خَرافها ذاكرة جغرافيّة وثقافيّة تمتد لقرون.
وفي هذا السياق، يصبح الفلّاح المغربي الذي ما زال يزرع هذه الأصناف ويحميها، رغم ضعف الإمكانات وقسوة المناخ وتقلّبات السوق؛ أشبه بحارسٍ صامت للذاكرة والتاريخ، يمارس مقاومة يوميّة ضدّ النسيان والاندثار.
إنّ معركة حماية تمور بوسكري وأخواتها ليست معركة اقتصاد زراعي فحسب، بل معركة من أجل حفظ تنوّع المغرب البيولوجي، ومن أجل صون الهويّة الزراعيّة الأصيلة في مواجهة زحف الأصناف الهجينة “البَرّانيّة” التي أغرت الكثيرين بمردودها الوافر والسريع وجودتها المتذبذبة.
إنها معركة بين منطق السوق ومنطق الذاكرة، بين الزراعة التي تُنتج والكَرامة الزراعية التي تَحفظ.
وفي الختام، إن دعم هؤلاء الفلّاحين لا يُعدّ تشجيعًا لفئة اجتماعيّة محدودة، بل هو دعم لعمق استراتيجي يتجاوز حدود الواحات إلى حدود التفكير في مستقبل الأمن الغذائي، وتوازننا البيئي، وضمان وُجود واستمراريّة واستدامة حضارةٍ عرفت كيف تصنع من النخلة أكثر من شجرة: جعلت منها ركيزة حياة، وشاهدة على علاقة الإنسان المغربي بأرضه عبر العصور.
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





