الحدود التاريخيّة لحركة التحرير الوطني بالمغرب: من الذاكرة إلى أفق الدولة الحديثة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار

 

* قراءة تأمليّة في فلسفة التحرر وتحوّلات الدولة المغربيّة بين التاريخ والراهن والممكن
التاريخ بوصفه أداة للفهم لا مرآة للماضي، ليس استحضاره تمريناً في ترديد الأمجاد أو اجترار الجراح، بل هو فعل تأمّلٍ استراتيجي يتيح لنا فهم اللحظة الراهنة ورسم ما يمكن أن يكون.
فالتاريخ، في عمقه الأبعد، ليس سلسلة ومسار وقائع واحداث مغلقة؛ إنه مخزونٌ من الأسئلة الكبرى التي تُستعاد كلّما تبدّلت التحديات، لأنه يقدّم مفاتيح ما يُشبه “مساقط الضوء” على أزمة الحاضر وإشاراتٍ أوليّة لما قد يواجهه المستقبل.
من هذا المنظور، تصبح عيد الاستقلال، ذكرى ثورة الملك والشعب، ليست طقساً للذاكرة، بل حدّاً تاريخياً أسّس لملامح حركة التحرير الوطني بالمغرب: حدّاً بين زمن القهر وزمن الإرادة، وبين وجودٍ وأمن واستقرار واستمرار وتنمية وعمران؛ يُصادره الآخر ووجودٍ يصنعه أبناء الوطن.
* أولاً: حينما استنفد الشعب المغربي صبره: بدايات الوعي بالتحرر
عرف المغرب، تحت ما سمي بالحماية الفرنسيّه، لحظة مفصليّة أدرك فيها الإنسان المغربي أنّ “إيديولوجية العقد الإصلاح” لم تكن سوى غطاءٍ لعقود من الإذلال ومصادرة الإرادة ونهب الخيرات.
كان الزمن آنذاك زمناً يثقل بالانتظار، حيث اكتشف المغاربة أن الوعود المعلّقة لا تُبنى عليها أوطان.
عند هذه النقطة، تحوّلت الخيبة إلى وعي، والوعي إلى إرادة مقاومة.
اختار الناس، من شرفاء وفلاحين وتجار وعمّال ومثقفين ومفكرين ووجهاء، الانتقال من صبرٍ طويل إلى فعلٍ طويل النفس.
لقد اختاروا الكفاح المسلّح، لا بوصفه مغامرة، بل باعتباره قراراً وجودياً لاستعادة السيادة والكرامة الإنسانية.
وهكذا، وُلدت اللحظة التاريخيّة التي صاغت معادلة التحرير المغربي: شعبٌ يضحي… وملكٌ يقود… ووطنٌ يستعيد توازنه.
* ثانياً: الإستراتيجيّة المغربيه في التحرّر: تلاحم لا يستنسخ التجارب بل يبتكر خصوصيته
إذا كان زعماء، مثل: (ماو تسي تونغ) و(ستالين) قد وضعا مبادئ كبرى لتحرير الشعوب من الاستعمار، فإن التجربة المغربية قدّمت صيغة مختلفة، وهي: التلاحم العضوي بين الملك والشعب بوصفه البنية العميقة لاستراتيجية التحرير.
كانت تلك الاستراتيجية بسيطة في ظاهرها، لكنها جد معقدة في جوهرها، تقوم على أساس:
1. وطنٌ يواجه استعماراً لا يريد له صوتاً في المحافل الدوليّة.
2. شعبٌ يختار المقاومة لا من باب البطولة، بل من باب الضرورة.
3. قيادة ملكية تدرك أن المعركة ليست فقط سياسيّة، بل وجوديّة.
4. نخبة وطنيّة وجهويّة ومحليّة لعبت أدواراً متفاوتة، لكنها شكّلت معاً نسيجاً اجتماعياً متنوعاً استطاع أن يحوّل الغضب الفردي إلى فعل جمعي منظم.
هذه الديناميّة تُظهر أن حركة التحرير الوطني لم تكن مجرد تمرّد على الاحتلال، بل كانت تأسيساً للمعنى: معنى الدولة، معنى السيادة، ومعنى أن يكون الإنسان فاعلاً في التاريخ لا مفعولاً به.
* ثالثاً: العهد الملكي (1958) وبداية الدولة الحديثة: ثلاث دعائم تُنظم الوعي الوطني
1. المبدأ الوطني:
الوطنيّة هنا ليست نزعة انغلاق، بل تجذّر في الأرض والذاكرة والهوية مهما كانت اختلافات المجتمع، لأن الوطن ليس وحدة ثقافية صماء، بل تنضيداً اجتماعياً معقّداً يضم المتلاقح والمتعايش والمتضامن.
2. المبدأ الديمقراطي:
الديموقراطيّة، في عمقها، ليست فقط صناديق اقتراع، بل هندسة اختلافات سياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة وفكرية واقتصاديّة، وقدرة الفئات على تنظيم نفسها خارج نزعات سلطة الدولة، بينما تظل الدولة منسّقاً وضامناً لتوازن المصالح.
3. المبدأ الشعوبي (التنموي)
لا شرعيّة للتنميّة إن لم يشعر الناس بثمارها بشكل مباشر وسريع. وهذه الفكرة هي امتدادٌ طبيعي لتطلعات حركة التحرير الوطني، التي حلمت بمغرب يتقدّم بإنسانه قبل بناياته.
* رابعاً: مفارقات الحاضر: لماذا يستمر سؤال التنمية في الضغط؟
رغم التحولات الكبرى التي قادها الملوك العظام: محمد الخامس والحسن الثاني، ورغم التقدم البارز في عهد جلالة الملك محمد السادس، إلا أن الواقع كشف عن مفارقة صارخة: مرونة الدولة في الخارج تقابلها هشاشة في بعض السياسات الاجتماعيّة في الداخل.
هذا التناقض عبّر عنه جلالة الملك محمد السادس نفسه صراحة وبوضوح حين قال: “إن من “المخجل” أن تكون بعض الإنجازات متواضعة في مغرب اليوم، رغم مصداقيته الدولية ونجاحاته الاقتصاديّة.
إنه اعتراف ملكي بضرورة استئناف الإصلاح والتغيير من الداخل، على أساس قاعدة العدالة المجاليّة والاجتماعيّة في مناطق الواحات والجبال، عبر تبني جيل جديد من برامج التنميّة الترابيّة المندمجة.
وتقف البلاد اليوم أمام سؤال جديد: كيف يمكن للثروة الوطنيّة أن تتحول إلى قيمة اجتماعيّة معيشة، لا مجرد لغة أرقام؟
هنا يعاد طرح سؤال حركة التحرير الوطني في صيغة جديدة: إذا كان الاستعمار الخارجي قد انتهى، فإن الاستعمار الداخلي المتمثل في العشوائيّة والارتجاليّة والبيروقراطيّة واللامساواة؛ يحتاج بدوره إلى حركة تحرير من نوع آخر.
* خامساً: نحو نموذج تنموي جديد: إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة
إن مشروع النموذج التنموي للجيل الجديد من برامج التنميّة الترابيّة المندمجة؛ ليس مجرد سياسة، بل محاولة لتصحيح الانحراف التاريخي الذي جعل جزءً من المجتمع المغربي خارج ديناميّة التقدم.
ولذلك لا يمكن التفكير في مستقبل المغرب دون التفكير في:
1. توزيع عادل للثروة.
2. تمكين الجهات من أدوات تقرير مصيرها التنموي.
3. نخبة مسؤولة تمثل جوهر الحكامة لا واجهتها.
4. إعادة وصل ما انقطع بين الثقة والمؤسسة.
5. حصر الولاء في الثالوث المقدس: الله-الوطن-الملك؛ حيث لا يسعنا سوى أن نكون تحت ذمة الدولة والمؤسسة الملكية؛ لا في ذمة هيئة او حزب أو طائفة أو قبيلة أو جماعة.
هكذا فقط يمكن للبلاد أن تعبر البلاد والعباد من مرحلة الإصلاح المعلّق إلى مرحلة الإصلاح الفعّال.
* خلاصة: نحو إعادة كتابة سؤال حركة وديناميّة التحرّر
تُظهر تجربة المغرب أن حركة التحرير الوطني ليست مجرد حدث من الماضي، بل هي سؤال متجدد يتخذ أشكالاً مختلفة عبر الزمن، من جهاد أصغر إلى جهاد اكبر منه بكثير:
* من مقاومة الاستعمار العسكري بالأمس،
* إلى مقاومة الاختلالات الداخليّة اليوم،
* إلى مقاومة الإقصاء والتهميش غداً.
* إلى سد الفجوة في العدالة الاجتماعية والمجاليّة بين المناطق الحضرية والجبال والواحات.
* من خلال جيل جديد لبرامج التنمية الترابية المندمجة.
نحن لسنا أكثر وطنيّة من الوطن، ولا أكثر ملكيّة من الملك؛ لكننا ندرك أن كل شعبٍ يصنع مكانته بين الأمم بقدر ما يملك من إرادة الارتقاء والنهوض، ومن قدرة على مواجهة نفسه قبل مواجهة الآخر.
وتلك، هي الحدود التاريخيّة لحركة التحرير الوطني:
حدودٌ تمتد من الجغرافيا إلى الوعي، ومن الذاكرة إلى المستقبل، ومن معركة الاستقلال إلى معركة ضمان الوُجُوديّة والسيادة والأمن والاستقرار والاستمرار التنميّة والعمران.

* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...