آليّات هندسة الهشاشة: كيف تُصنَع الأزمات ويُعاد تشكيل الإنسان داخل بنية السيطرة الحديثة؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار

 

 

تمثل ظاهرة الهندسة الاجتماعيّة المتعمدة عبر تعقيدات وعراقيل الأنظمة البيروقراطيّة؛ إحدى الآليات الجوهريّة في تشكيل اقتصاديات الفساد المُؤسسي.
فهل يمكن اعتبار العراقيل والتعقيدات المسطريّة المُفرط نتاجًا طبيعيًا لتراكمات إداريّة عفويّة، أم أنه يشكل في حقيقته إستراتيجيّة مُخطط له لخلق مساحات رماديّة تستوطنها شبكات المصالح؟ بل والأهم: كيف تتحول التعقيدات والعراقيل الإداريّة من عقبات أمام المواطن، إلى رأس مال للوسطاء السماسرة واللوبيّات التي تتغذى على هامش، ومن، وفي ظل هذا التعقيد؟
– سوسيولوجيا الخوف والمرض: الاقتصاد السياسي للأزمات المصطنعة
تدفعنا هذه الآلية إلى التفكير في أنماط أعمق من “صناعة الأزمات”، ونأتي لكم بالحل؛ كمنطق للسيطرة. فـ “صناعة الخوف” مثلاً، سواءً عبر تضخيم التهديدات الأمنيّة أو استحداث مخاوف وجوديّة؛ ونأتيكم بالدفاع والحماية؛ تخلق سوقًا مربحة لتجارة الأسلحة وشرعنة سياسات الاستبداد.
وهذا يقودنا إلى السؤال الجوهري: من المستفيد الحقيقي من انتشار وباء الخوف العالمي، وكيف تُحوَّل المجتمعات من كيانات سياسيّة فاعلة إلى قلاع خائفة تطلب الحماية ممن هم مصدر التهديد أصلاً؟
وفي المنحى ذاته، تُكشف اللعبة عبر “الاقتصاد الحيوي للفيروسات”، حيث تتحول المختبرات إلى ورشات لإنتاج الأمراض قبل إنتاج الأدوية.
أليست صناعة الأدوية العالمية في جانبها المظلم؛ شريكًا غير معلن في دورة إنتاج الأزمات الصحية؟ وكيف يمكن تفسير تحول الصحة من حق إنساني إلى سلعة إستراتيجيّة في يد مراكز القوى العالميّة؟
– الجيوسياسة الحيويّة: الفقر والغذاء كأدوات للهيمنة
لا تكتمل هذه الصورة إلا بفك شفرة “السياسة الغذائيّة العالميّة”، حيث تتحول الحبوب من مصدر للحياة إلى سلاح جيوسياسي. فصناعة الجوع عبر تحكم الشركات العابرة للقوميات في سلاسل الإنتاج والتوزيع تخلق ديناميكيات تبعية جديدة.
هنا يطرح السؤال المحوري: كيف تتحول الحبوب إلى ذخيرة صامتة في حروب العصر الرأسمالي المتأخر، وأي عقد اجتماعي جديد يُفرض عبر سياسات الإفقار المنظم والتجويع الممنهج؟
– السيطرة المجهولة: التشريح الأنثروبولوجي للهيمنة الشاملة
تتجلى هذه الآليات مجتمعة في تشكيل ما يمكن تسميته “بالسيطرة المجهولة” كنظام هيمنة لا مركزي يعمل عبر شبكات جد معقدة تخترق كل المساحات: السياسيّة عبر صناعة القرار عن بُعد، والاقتصاديّة عبر تحكم التمويل العالمي، والاجتماعيّة عبر تفكيك النسيج المجتمعي، والثقافيّة عبر استعمار العقل الجمعي، والبيئيّة عبر إدارة وتدبير عوامل الندرة ومصادر الوفرة.
فهل نحن إزاء “عقد اجتماعي عالمي جديد” يُفرض من فوق، تُعاد فيه صياغة الإنسان من كائن سياسي إلى مستهلك سلعي؟ وأي مستقبل ينتظر السيادة الوطنيّة في عصر تتحكم فيه قوى خفيّة في مفاتيح الحياة والموت؟
– خلاصة:
تبقى هذه الأسئلة الاستفهاميّة العميقة بمثابة بوابات لفهم التحولات الجوهريّة في أنماط الهيمنة المعاصرة، التي تخلعت عن ثوبها العسكري المباشر لترتدي أثوابًا أكثر نعومة وأكثر فتكًا.

* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...