الضبط العمراني بين سلطان القانون وقيود المسطرة: تفكيك مفارقات التدخل الإداري في مواجهة مخالفات ضوابط البناء والتعمير
* الدكتور عبد اللَّه شَنْفَار
من المفارقات التي كثيرًا ما تُثار عند متابعة قضايا البناء والتعمير أن البعض يطرح، بقدر من التبسيط وربما الاتهام، سؤالًا من قبيل: “أين كانت السلطات طيلة هذه المدة حتى شُيِّدت مخالفات عمرانيّة بحجم قلاع أو بهندسة تشبه هيكل الكرملين؟”
والواقع أن هذا السؤال يغفل عن طبيعة المنظومة القانونيّة التي تُقيّد تدخل السلطات، وتُلزمها باحترام مساطر دقيقة لا يمكن تجاوزها دون سند قانوني وقضائي.
فالسلطة الإداريّة، بمجرد رصد المخالفة في مجال البناء والتعمير، من غير تلك المتعلقة باحتلال الملك العمومي، الذي يسلك مسطرة مغايرة؛ تسارع إلى مباشرة الإجراءات القانونيّة الجاري بها العمل، ومنها:
1. الأمر بالوقف الفوري للأشغال،
2. توجيه الإعذار للمخالف،
3. توجيه أمر بإخلاء المحل المعتمد في المخالفة،
4. طلب اجراء معاينة من النيابة العامة،
5. تحرير محاضر الامتناع،
6. تحرير محاضر المعاينة،
7. ثم ربط الاتصال بالنيابة العامة وإحالة الملف إلى القضاء لطلب إستصدار حكم قضائي بالهدم.
إلا أن الإشكال الأكبر يظهر عند تنفيذ المعاينة، لأن وكيل الملك وإن كان يمنح إذنًا بمعاينة محل معتمد يُشتبه في مخالفته لقوانين البناء والتعمير، فإنه لا يمنح إذنًا باقتحامه بالقوة، إطلاقاً.
وهنا يحدث الاحتكاك العملي الأوضح بين النص القانوني والواقع الميداني. فإشكاليات مخالفة قوانين البناء والتعمير؛ تُظهر تقاطعات جد حسّاسة بين القانون الإداري، والقضاء، ومفهوم الضبط الحضري؛
فعندما تصل اللجنة المختلطة؛ برئاسة السيد القائد أو السيد الباشا، وعضويّة ممثلي الوكالة الحضريّة والجماعة، وقسم التعمير بالعمالة، إلى جانب عناصر: الأمن الوطني أو الدرك الملكي، والقوة المساعدة والوقاية المدنيّة؛ تجد نفسها أمام باب موصد، يُراقبها المخالف من ثقب الباب دون أن يفتح.
وبما أن اللجنة محكومة باحترام القوانين والتشريعات والأنظمة، فإنها لا تستطيع اقتحام المحل، فتعود أدراجها وهي تجر خيبة الأمل، وقد اعتصر أفرادها إحساسٌ بالمهانة المهنيّة.
عندها يتم ربط الاتصال بوكيل الملك، الذي يكتفي بهدوء أعصاب وبمنطق المسطرة، إعطاء تعليماته بالقول: “وجّهوا المسطرة برمتها إلى هذه النيابة العامة المختصة.”
وبمجرد مغادرة اللجنة، يخرج المخالف رافعًا شارة النصر، وكأنه حصل على “نافذة زمنيّة” يستغلها بأكبر قدر من التمادي لاستكمال الأشغال غير القانونيّة.
غير أن هذه النافذة الزمنيّة، رغم أنها تُوهمه بالانتصار، لا تحميه إطلاقًا من تنفيذ الحكم القضائي حين يصدر، حتى ولو شَيَّد مبنى بحجم هيكل “الكرملين” نفسه.
هنا يظهر لبّ الإشكال: إنه التوتر البنيوي بين مقتضيات دولة الحق بالقانون ومتطلبات الضبط الحضري. فاحترام المساطر الإداريّة والقضائيّة؛ قد يُعطي الانطباع لدى العامة بأن السلطة “غائبة”، أو مقصرة أو متقاعسة؛ بينما الحقيقة أنها حاضرة لكنها مقيدة بالقانون.
فهي لا تستطيع اقتحام محل دون إذن مسبق من طرف ممثل النيابة العامة، ولا تستطيع تنفيذ عملية هدم دون حكم قضائي صريح حاز قوة الشيء المقضي به.
وإذا تجاوزت هذه الضوابط، تصير نفسها في موضع مساءلة في إطار مبدأ ربط المسئوليّة بالمحاسبة. ولهذا القاضي يسأل دائمًا السؤال المحرج للسلطات الإداريّة: باسم من وبأية صفة نفّذت قرار الهدم قبل صدور حكم قضائي”!؟
حكم قضائي قد يستغرق صدوره 6 سنوات، تبرر القول بالغياب او التقصير او التقاعس، والإجابة عن السؤال الغبي والساذج: “أين كانت السلطة طيلة هذه المدّة التي كان فيها المخالف يبني!؟”
إن الإشكال الحقيقي إذن ليس في غياب السلطة، وإنما في التوازن الدقيق بين سلطة الضبط الإداري وضمانات الشرعيّة القانونيّة. وهذا التوازن، وإن بدا للبعض “ثغرة” أو فجوة محتملة يستغلها المخالفون، يستغلها أبشع استغلال، يبقى جوهر دولة الحق بالقانون التي تُقيِّد الجميع: المخالف والسلطة على حد سواء.
يتضح من خلال هذه القراءة السريعة؛ أن الإشكالات القانونيّة للضبط العمراني لا ترتبط بغياب السلطة أو تقاعسها أو تواطؤها او تقصيرها، بل لكونها مكبلة بإطار قانوني صارم يهدف لحماية الحقوق والحريات، لكنه يخلق في المقابل هوامش زمنيّة ومسطريّة يستغلها بعض المخالفين للتمادي في خرق الضوابط العمرانيّة.
ومن ثَمّ، فإن تحسين فعالية الضبط العمراني يقتضي:
1. تطوير وتحيين منظومة النصوص القانونيّة لتقليص الثغرات ومسايرة التحايل بشكل صارم،
2. تعزيز اختصاصات وصلاحيّات السلطة الإداريّة الترابيّة في حدود احترام الشرعيّة والمشروعيّة،
3. وتكثيف التنسيق بين الجهات المتدخلة في المراقبة.
4. الضرب بقوة على يد كل من تبث في حقه تقصير أو تقاعس أو تواطؤ.
5. اعتبار كل قضايا البناء والتعمير؛ قضايا تدخل ضمن القضاء الاستعجالي؛ بحيث كل فجوة في ظل التطور الحاصل؛ يمنح المخالف فرصة بناء وتشييد هيكل شبيه ببناية الكريملين في ظرف 24 ساعة.
الواقع العملي والميداني، يكشف عن وجود توتر بنيوي بين الضبط الإداري ودولة الحق بالقانون:
1. منطق الضبط الإداري الذي يسعى إلى حماية النظام العام العمراني بسرعة وصرامة،
2. ومنطق الشرعية القانونية الذي يُلزم السلطة بالتقيد الصارم بالمساطر وضمان حقوق الأفراد.
فالضبط العمراني هو في نهاية الأمر مرآة لتوازن الدولة بين السلطة والحرية، وبين سرعة التدخل واحترام القانون، وهو توازن صعب لكنه ضروري لبناء مجال حضري منظم ومستدام.
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





