معيار الكثرة في الخطاب القرآني وظاهرة التفاهة في الفضاء الرقمي المعاصر

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدكتور عبد اللَّه شَنْفَار

 

لم تعد الصفحات والحسابات على منصّات التواصل مجرد أدوات للنشر والتدوين؛ بل تحوّلت إلى ما يشبه الزوايا والأضرحة والأحزاب والطوائف المذهبيّة الرقميّة ذات الأتباع والمريدين والمتعاطفين، تُعيد إنتاج منطق الزوايا والطرق الصوفيّة والمذاهب القديمة بأساليب أكثر جاذبيّة وتمدّداً في الفراغ.
فالتفاهة، حين تصدر عن جماعة كبيرة، تكتسب قوة الإيقاع في إطار التواطؤ الجمعي، وتتحوّل إلى معيار يُقاس به النجاح وليس المعنى.
في المقابل، تتراجع الحسابات ذات الإشعاع العلمي والفكري والثقافي أمام هذا الطوفان، فلا تجد إلا قِلّة من المتلقّين والمتابعين، رغم عمق رسالتها ونبل غايتها.
هذا التباين يُثير سؤالاً مركزياً: هل للكثرة قيمة في ميزان الحقيقة؟ وهل تُعد القلّة مؤشراً على الصدق؟
– أولاً: الكثرة بين الوزن الاجتماعي والفراغ المعنوي
تتشكّل الجموع الرقميّة اليوم ضمن آليّة تقوم على ثلاثة عناصر أساسيّة:
1. السهولة في المحتوى؛
2. الإشباع النفسي السريع؛
3. الهوية الجماعية التي تمنح الانتماء؛
ولذلك تنجذب الجماهير إلى التافه والخاوي أكثر من الهادف، لا لأن التافه أعلى قيمة، بل لأنه أخفّ عبئاً على العقل وأقرب إلى المزاج اللحظي.
هذا السلوك ليس طارئاً؛ فالتاريخ الاجتماعي للبشر يُظهر أن “رداءة السهل” كانت دائماً أكثر انتشاراً من “مشقّة المعنى”.
– ثانياً: التقويض القرآني لمعيار الكثرة
يتكرّر في القرآن الكريم إبطال فكرة أن الحق يُقاس بالعدد.
فالأكثرية؛ في عشرات المواضع؛ وُصفت بصفات معرفيّة وسلوكيّة سلبيّة، منها: (لا يعلمون. لا يعقلون. لا يشكرون. لا يؤمنون. ضالّون. مشركون. غافلون. وكارهون للحق.)
ليس الذم موجهاً إلى “العدد” بقدر ما هو موجّه إلى وظيفة العدد حين يحجب الرؤية ويعطّل الوعي.
فالكثرة ليست معياراً للحقيقة، بل أحياناً حاجزاً يمنع الوصول إليها.
– ثالثاً: القلّة في ضوء القرآن… ليست امتيازاً عدديّاً بل دلالة معنويّة
لم يمدح القرآن القلّة لأنها قليلة، بل مدحها حين ارتبطت بالوعي والشكر والصبر والبصيرة، عنوانه الآية: 13 في قوله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ.) سورة سبأ.
هذه القلة تمثّل بذور المعنى في المجتمعات، النواة التي تحافظ على مستوى من الوعي يحول دون غرق البشريّة في التفاهة الشاملة.
فالحق لا يحتاج إلى جمهور، بل إلى من يحمله فينقله ثم يصونه من الذوبان.
– رابعاً: الفضاء الرقمي بين الجماهيرية والمعنى
السؤال الذي يطرحه زمن المنصات هو: هل نُقاس بما ننتجه من فكر، أم بما نحصل عليه من إعجابات وإعادات نشر؟
المنصات لا تُكافئ المعنى، بل تُكافئ الجاذبية السطحية.
والخوارزميّات تُضخّم ما يوافق مزاج الجمهور لا ما يحتاجه وعيه.
لذلك تتكوّن “أغلبيات” رقميّة ذات نفوذ واندفاع وحماس عاطفي، لكنها فارغة معرفياً.
ومع ذلك، لا تضيع الحقيقة في هذا الضجيج؛ إنها تنتقل بصمت داخل مساحات صغيرة، في قلوب قليلة، لكنها حاملة لنور كبير.
* خلاصة القول: حين يختبئ المعنى في مساحات ضيقة
ليس معيار الصواب في الكثرة ولا معيار الخطأ في القلّة.
بل إن القرآن يعيد تعريف القيمة من خارج منطق العدد، ليؤكد أن الحق يُمتحَن بقدرته على الصمود أمام غواية الجماهير، لا بعدد المصفقين له.
وحين تتراكم التفاهة، يصبح الوعي؛ ولو حمله القليل؛ ضرورة وُجُوديّة. وفي ظل هذه القلّة؛ تختبئ الحقيقة.

* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...