الإعلام كحقل لصراع القوى: نحو إطار نظري للعدوان والتضليل الرمزي في النظام الدولي
* د. عبد اللَّه شَنْفار
1. من مرايا الواقع إلى صانعاته:
في عصر تتداخل فيه الخرائط الجيوسياسيّة مع خرائط الوعي، لم يعد الإعلام مجرد ناقل سلبي للوقائع، بل تحول إلى فاعل رئيسي في تشكيل التصورات وإعادة هندسة التوازنات الدولية.
هذه التحولات تدفعنا إلى التساؤل: هل أصبح الخطاب الإعلامي شكلاً من أشكال ممارسة القوّة الناعمة التي تعيد توزيع الأدوار في المسرح الدولي؟ وكيف يمكن تفسير تحول بعض فضاءات الدول والمنصات الإعلاميّة إلى أدوات لـ”العدوان الرمزي من خلال التضليل الإعلامي والرقمي” الذي يستهدف زعزعة أمن واستقرار الدول عبر تشويه سمعتها وتقويض شرعيّتها
2. من السيادة الترابيّة إلى السيادة الإدراكيّة:
لم تعد السيادة في القرن الحادي والعشرين تقتصر على السيطرة على الجغرافيا، بل امتدت لتشمل السيادة على العقل الإدراكيّ الجمعي والفضاء الرمزي.
هذا التحول يدفعنا إلى إعادة تعريف مفهوم العدوان ليشمل:
* العدوان الإدراكي: وهو الاستهداف المنظم لبنى الوعي الجمعي عبر خطاب إعلامي مُعدّ بعناية وسبق اصرار وترصد؛
* السيادة المعرفيّة: وهي قدرة الدولة على حيزها الرمزي وتقرير طريقة تمثيلها في الإعلام؛
هل يمكن اعتبار الاختراق الإدراكي شكلاً من أشكال انتهاك السيادة يوازي في خطورته الاختراق العسكري؟
3. آليات العدوان الرمزي: هندسة الانتباه كأداة للهيمنة
لا يعمل العدوان الرمزي عبر الصراخ والصخب، بل عبر هندسة دقيقة لخريطة الانتباه العام.
هذا، وتتجلى آلياته في:
* اقتصاديات الاهتمام: حيث يتم تحويل وشغل الرأي العام عن القضايا الجوهريّة عبر تضخيم أحداث هامشيّة
* الانتقائية الإستراتيجية: في التركيز على شروخ المجتمعات الأخرى مع التغاضي وإشاحة النظر وغض الطرف عن تصدعات الذات.
* تكنيك الصمت: حيث يصبح الإهمال الإعلامي المتعامل شكلاً من أشكال العدوان السلبي.
لكن ألا يشكل الصمت الإعلامي حول قضايا حيويّة شكلاً من أشكال التواطؤ الذي قد يفوق في خطورته الخطاب الصريح؟
4. الدول-المنصات: مصدر التشريع الضمني للخطاب العدائي
تشير ظاهرة “الدول-المنصات” إلى تحول بعض الدول إلى حاضنات ومصدر للخطاب العدائي عبر:
* الملاذ الإعلامي: توفير بيئة آمنة للمحتوى العدائي عبر التسامح معه أو التشجيع الضمني عليه؛
* الحرب بالوكالة: استخدام منصات إعلاميّة غير رسميّة لتحقيق أهداف سياسيّة؛
* سياسة الإنكار القابل للتصديق: إمكانية إنكار المسئوليّة المباشرة مع الاستفادة من آثار الخطاب؛
إلى أي حد يمكن اعتبار الدولة التي تتيح مجالها الإعلامي لمنصة للعدوان الرمزي شريكاً في جريمة معنويّة ضد المجتمع الدولي؟
5. التقنيات الرقميّة: بين الكشف والتضليل
أدخلت المنصات الرقميّة بعداً جديداً في هذه المعادلة، خاصة مع تكنولوجيات التتبع الجغرافي لعناوين بروتوكول الإنترنت “IP address” والأثر الرقمي لعنوان الآي بي (IP).
هنا تبرز إشكاليات عديدة:
* إشكالية الإسناد: هل يمكن أن يصبح التتبع الجغرافي والأثر الرقمي، دليلاً جنائياً في قضايا العدوان الرمزي؟
* مسئوليّة الشركات والمنصات التقنيّة: أين تتموْقع مسئوليّة منصات مثل منصة (X) تويتر سابقاً، أو فيسبوك (ميتا – Meta) في منع استغلالها كأدوات للعدوان العابر للحدود؟
* الشفافية الانتقائيّة: هل يمكن أن تتحول أدوات الشفافية نفسها إلى أسلحة في الصراع الإعلامي؟
هل نمتلك الإطار القانوني الكافي لمواجهة تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة لحروب بالوكالة الإعلاميّة؟
6. نحو إطار قانوني وأخلاقي جديد:
تستلزم هذه التحولات تطوير إطارات قانونيّة وتنظيميّة جديدة تقوم على أساس:
* توسيع مفهوم العدوان من خلال التضليل الإعلامي في القانون الدولي ليشمل الأشكال الرمزيّة المنظمة.
* تطوير مبادئ المسئوليّة الدوليّة عن الأفعال والأعمال العدوانيّة الصادرة من أراضي الدولة الحاضنة للقطاء وأعداء الأوطان.
* إنشاء معايير أخلاقيّة عابرة للحدود للإعلام الدولي.
هل حان الوقت لصياغة ميثاق دولي جديد ينظم أخلاقيات الإعلام العابر للحدود ويحمي السيادة الإدراكية للدول؟
* خلاصة استشرافية: نحو جيوبوليتيك معرفي جديد
نحن إزاء تحول جذري في طبيعة الصراع الدولي، حيث تنتقل مركزيّة القوّة من الحيز المادي إلى الحيز الرمزي.
هذا التحول يستدعي:
1. إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي السيادي، ليشمل الأمن الإدراكي والمعرفي.
2. تطوير دبلوماسيّة إعلاميّة مضادة قادرة على حماية الرواية الوطنيّة وخلق جبهة التصدي للسّرديّات الأجنبيّة الإعلاميّة المضللة.
3. بناء مناعة مجتمعيّة ضد الحروب النفسيّه والإعلاميّة المضللة.
فهل سنشهد صعود نظام دولي جديد قائم على توازن القوى الرمزيّة، حيث تصبح السيادة على الرواية مساويّة في أهميّتها للسيادة على الأرض؟
هذه الأسئلة لا تبحث عن إجابات نهائيّة، بل تهدف إلى فتح حوار نقدي حول أحد أكثر التحولات خطورة في العلاقات ح المعاصرة.
ففي عصر أصبحت فيه القوّة النّاعمة؛ قادرة على تشكيل التصورات بقدر ما هي قادرة للسيطرة على الجغرافيا، يصبح الفهم النقدي لهذه الآليات شرطاً أساسياً للبقاء في عالم تتقاطع فيه الخرائط السياسيّة مع خرائط الوعي والإدراك.
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





