النزاهة الانتخابيّة: بين تاريخ الذاكرة وإشكاليّة الدليل

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار

 

 

الانتخابات ليست مجرد عملية فنيّة تنتهي بإعلان النتائج، بل هي طقوس سياسيّة جد معقّد تتصارع على خشبتها ذاكرة المجتمعات وأزمات شرعيّة النخب.
هذا البحث يغوص في الجدل الدائر حول نزاهة العمليات الانتخابيّة، لا بوصفه خلافًا إجرائيًا عابرًا، بل باعتباره تعبيرًا عن أزمة ثقة بنيويّة، حيث تتحوّل الصناديق إلى مرايا تعكس هويّة الجماعات السياسيّة وهواجسها الوجوديّة أكثر مما تحصي الأصوات.
* مقدمة: الصناديق كفضاء رمزي
لم تكُن صناديق الاقتراع يومًا محض أدواتٍ تقنيّة، بل بقيت فضاءً رمزيًا تتجسّد فيه أطياف الذاكرة السياسيّة وتتصارع. هي مرآة تعكس، في لحظة الاقتراع، تراكمات تاريخيّة من الثقة والريبة، ومنطق اللحظة الراهنة بمخاوفها ورهاناتها.
فالتشكيك في النزاهة، أو الادّعاء بعدم تسليم المحاضر مثلاً، ليس حدثًا هَبَاءً مُنْبَثًّا؛ إنه فصل في سرديّة أوسع تُعيد الجماعات السياسيّة صوغَها كلّما اهتزّت مواقعها، أو تناقضت النتائج مع توقّعاتها.
إنّه استدعاءٌ للذاكرة الجماعيّة وإعادة توظيفها في حرب الشرعيّات.
– الفصل الأوّل: من المنافسة إلى سرديّة المظلومية والضحيّة: تشريح التحوّل
تُلفت البنية الإجرائيّة للانتخابات، في العديد من السياقات، بثباتها النسبي عبر دوراتٍ متعاقبة من الصعود والهبوط الحزبي.
هنا يطفو السؤال الأنثروبولوجي العميق: كيف تُمنح الثقة المطلقة لنظامٍ ما في لحظة انتصار سياسي، ليتحوّل فجأةً إلى مصدر للشكّ والاتهام عند أول اختبارٍ خاسر؟
الإجابة تكمن في الميكانيزمات النفسيّة السياسيّة للجماعات التي تواجه تراجعًا.
فعندما تبدأ قدرة الفاعل على العطاء والحضور بالظهور بمظاهر العجز متعدّد الأبعاد،
وعندما يُصبح الرصيد الشعبي غير كافٍ لضمان جدوى خوض جولة انتخابيّة مقبلة،
غالبًا ما يبرز خطابٌ بديل. هذا الخطاب لا يعترف بالحدود الطبيعيّة لدورة حياة المشروع السياسي، بل يلجأ إلى “إعادة تدوير سرديّة المظلوميّة”؛ أي تحويل الهزيمة الانتخابيّة من نتيجةٍ طبيعيّة للمنافسة إلى دليل على تآمرٍ خارجي وإلى خرقٍ للنزاهة.
وهكذا، يُعاد تدوير الوظيفة السياسيّة للجماعة من خلال هذا الخطاب، مما يُعطّل إمكانية التحوّل والتجديد، ويُبقي الحوار الديمقراطي أسيرَ دائرةٍ من الشكّ المُتبادل الذي لا يُنتج إلا مزيدًا من التآكل للثقة الاجتماعيّة.
– الفصل الثاني: عبء الإثبات: حين يصطدم الخطاب بالمؤسسة
لكنّ الديمقراطيّة الناضجة لا تُدير ظهرها لهذه السرديّات فحسب، بل تضعها على محكّ المنطق المؤسسي.
إنّ الادّعاء الجسيم يقتضي دليلًا جسيمًا. فما قيمة اتهامٍ يمسّ قلب العمليّة الديمقراطيّة، إن لم يُرفَق بشكوى مؤسّسيّة مُوثّقة؟ أو بمحاضر معاينة امتناع وإثبات حال؟ أو بمَسْعًى قضائي واضح؟
هنا يتحوّل النقاش من مستوى الخطاب العاطفي إلى مستوى المساءلة العقلانيّة.
السؤال الجوهري هو: أين يقع الفعل؟ هل في فضاء السياسة حيث الخطاب وأدوات التأويل وإعادة بناء المعنى؟ أم في فضاء القانون حيث البينة والمسؤوليّة والجزاء؟
هذا التمييز هو عِماد الاستقرار. فالقانون يُبنى على الأدلة القابلة للفحص، والسياسة تُبنى على التصوّرات والشعارات. والخلط بين الحقلين يُنتج ضبابيّةً تسمح للحقيقة بالتلاشي بين ذاتيّة المصلحة وموضوعيّة الواقعة.
ولنا أن نتساءل، منهجيًا: ما هي الحالات المحددة الموثّقة التي وقع فيها امتناع عن تسليم المحاضر؟ وهل تمّ توثيق هذا الامتناع بمحضر اتباع حال صادر عن مفوض قضائي؟ هل قدّمت القوى المشكّكة شكايات رسميّة؟ وهل لجأت إلى القضاء؟
الإجابات على هذه الأسئلة هي التي تحوّل الادعاء من مجرد موقف أو خطاب سياسي إلى فعل جرمي وقضيّة مؤسسيّة قابلة للحسم.
– الفصل الثالث: إشكاليّة التشريع: بين الردع والتسييس
يُفاقم من هذه الإشكاليّة اتجاهٌ يظهر بين الفينة والأخرى: اقتراح تشريعات زجريّة مُفرطة القسوة، كتطويل عقوبات الحبس على رؤساء مكاتب التصويت أو الاقتراع إلى مددٍ غير مُتناسبة مع طبيعة العمل.
هذا المسلسل والمسار يثير ريبة عميقة: هل الغاية تحصين العملية الانتخابيّة، أم تحويل القانون الجنائي إلى ساحة حربٍ بالوكالة؟ وهل ستجد من هو مستعد لرئاسة مكتب تصويت في ظل هذا التهديد المحتمل بالسجن في ظل إمكانية الربط الظرفي الخاطي بالأحداث والتجاذبات السياسيّة وغياب الحماية الماديّة والمعنوية والقانونيّة؟ (لقد صدق جلالة الملك محمد السادس لما وصف مناسبة الانتخابات؛ وكأنه يوم القيامة.)
في الديمقراطيّات الرصينة، تُقاس العقوبة بميزان التناسب والردع الفعلي، لا بمنطق الإشارات السياسيّة أو الانفعال الآني. تشديد العقوبات إلى حدودٍ طَائلة، دون مبرّر موضوعي يستند إلى وقائع محدّدة، يُحوّل الإصلاح المزعوم إلى أداة في الصراع، ويُعمّق هوّة الشك بين المكونات السياسيّة.
فتحويل الإصلاح إلى أداة صراع هو نقيض الحوكمة الرشيدة.
– الفصل الرابع: الخط الفاصل: حرية التعبير أم تقويض المؤسسات؟
ويُستدعى، في هذا السياق، حجّة “حرية الرأي” لتبرير خطاب التشكيك غير المُؤسّس. بيد أنّ الفقه الدستوري الحديث يُفرّق تمييزًا دقيقًا بين الحقّ المشروع في النقد والتعبير، وبين الاتهام المباشر الذي يُزعزع ثقة الرأي العام في نزاهة مؤسسة دستوريّة كبرى.
1. فالأولى تُحمى كضرورةٍ ديمقراطيّة،
2. والثانية تُحمّل مسؤوليّة الإثبات.
التحدّي هو صَوْن حرية النقد دون السماح بتحويل الاتهام إلى عملة سياسيّة رخيصة تُهدر رصيد الثقة العامّة.
فحين يصبح التشكيك غير المُستند أداةً اعتياديّة في التراجع الانتخابي، تتحوّل المؤسسات الانتخابيّة إلى هيئة مُستباحة في الخطاب العام، فيضيع الفارق بين الرأي المشروع والطعن العبثي في شرعيّة النظام السياسي ذاته.
* خلاصة واستشراف: نحو أنثروبولوجيا جديدة للثقة
تؤشّر هذه الجدليّات كلّها إلى أنّ التحدي الأعمق ليس تقنيًا أو قانونيًا بحتًا؛ بل هو ثقافي وسوسيولوجي في جوهره. إنّه يتعلّق بـ “نمط الوعي” الذي نتعامل به مع الانتخابات كممارسة جماعيّة.
لذلك، فإنّ الاستشراف العقلاني يدفعنا إلى أسئلة تأسيسيّة مفتوحة تتجاوز اللحظة الضيّقة:

1. هل يحتاج النظام إلى تعديلات تقنيّة فحسب، أم إلى مشروعٍ مجتمعي لإعادة بناء “رأس المال الثقة” الذي تآكل؟
2. ما هي العوامل الاجتماعيّة والذاكرة التاريخيّة التي تدفع قطاعات واسعة إلى تصديق سرديّة التشكيك قبل الوثيقة الرسميّة؟
3. كيف يمكن للمؤسسات أن تكون قويّةً وشامخةً بما يكفي لاستيعاب النقد المشروع، وحصينةً بما يكفي لدرء محاولات تقويضها بلا برهان؟
النقاش حول النزاهة لا ينبغي أن يدور في حلقة مفرغة، تُعاد فيها إنتاج التهم ذاتها مع كلّ تحوّل في موازين القوى. فالديمقراطيّة الناضجة تُبنى على ثلاثة أعمدة:
1. أدلّة قابلة للتحقّق،
2. واتساقٍ في الخطاب بين مراحل الصعود والهبوط،
3. ومسؤوليّة أخلاقيّة في ممارسة الحقّ السياسي.
السؤال المصيري الذي يواجهنا جميعًا، كفاعلين وكناخبين، هو: أيّ مستقبل نريد للفضاء المشترك؟ هل نريد مؤسسة انتخابيّة تكتسب شرعيّتها من مصداقيّتها المتينة، أم نريد فضاءً سياسيًا تُعلّق فيه الإرادة الشعبيّة على مشجب الشكّ الدائم والمستدام والمزاج المتقلب؟
هذه ليست مسؤوليّة الحكومة وحدها، ولا المعارضة وحدها، بل هي مسؤوليّة العقل الجمعي الذي يختار، في النهاية، بين ديمقراطيّة الخطاب السياسي وديمقراطيّة الدليل لإثبات ادعاء الفعل الجُرمي.

* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...