الدولة المحايدة أيديولوجيًا: نحو تصوُّر عربي للخروج من جدليّة الهويّة والفشل السياسي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار

 

تبدو الأزمة السياسيّة في العالم العربي وكأنها تدور في حلقة مفرغة: إسلاميون يصلون إلى الحكم فيفشلون في تدبير شؤون الدولة، لكن هذا الفشل لا يمنح لا اليساريّين ولا الليبراليّين ولا المحافظين شرعيّة تلقائيّة ليصلحوا للحكم؛ فجميع الاتجاهات اختبرت نصيبها من الإخفاق والفشل، في عدة أماكن ومواقع، تاركةً المجتمعات في حالة من الإعياء السياسي والانهيار الخدمي والحرمان الأمني.
هذه الحقيقة تفرض سؤالًا جذريًا: هل تُفسَّر أزمة الحكم عربيًا بالأيديولوجيا، أم بغياب شروط الدولة القادرة أصلًا على احتضان الإيديولوجيات دون أن تتحول إلى ساحات صراع هوياتي؟
هنا يبرز مفهوم الدولة المحايدة أيديولوجيًا بوصفه اختراقًا نظريًا لمعضلة عربية قديمة: معضلة تحديد هويّة الدولة قبل بناء الدولة نفسها.
فهل آن الأوان لطرح سؤال أكثر عمقًا: لماذا نصرّ على حشر الدولة في قالب أيديولوجي ضيق، بينما الدولة الحديثة بطبيعتها إطارٌ تنظيميٌّ لا أنشودة هوية؟
– أولًا: من التاريخ إلى الفكرة: جذور الحاجة إلى الدولة المحايدة
إذا ما قرأنا تجارب القرن العشرين وتحولاته الكبرى، سنجد أن فرض أيديولوجيا شاملة؛ دينيّة كانت أم علمانيّة أم حزبية؛ لم ينتج سوى أشكال متعاقبة من الاحتكار والهيمنة.
فالدول التي رفعت شعار “الدين” انتهى بعضها إلى تديين السياسة بدلًا من ترشيدها، بينما الدول التي نادت بـ“العلمانية الصلبة” مارست شكلًا آخر من الإقصاء، أما الدول التي قامت على أساس “القوميّة” أو “الحزب القائد” فقد انزلقت سريعًا إلى الشموليّة.
إزاء هذا التاريخ المشحون، يصبح السؤال الإشكالي ضروريًا: هل يمكن لدولةٍ واحدةٍ أن تحتمل الحقيقة المطلقة التي تعتقد كل أيديولوجيا أنها وحدها تمثلها ولديها الطبعة الأصليّة للحقيقة في حين الآخرون لديهم الطبعة المزيّفة فقط، وحتى إذا توفرت لديهم الطبعة الأصليّة يسيؤون استخدامها وتوظيفها في الإدارة والحكم؟
وإذا كانت الإجابة بالنفي، فهل الحل في دولة تتخلى عن دور “المعلم الأخلاقي” وتكتفي بدور “منسق المجال المشترك”؟
هنا يتأسس مفهوم الدولة المحايدة أيديولوجيًا: دولة لا تفرض على المجتمع لونًا فكريًا واحدًا، ولا تدّعي امتلاك الخلاص أو الطبعة الأصليّة للحقيقة المطلقة، بل تدير التعدديّة بدلًا من قمعها.
– ثانيًا: ماهيّة الدولة المحايدة: حياد ليس فراغًا
الدولة المحايدة ليست دولة بلا هويّة، بل دولة لا تحتكر الهويّة.
وهي ليست “ضد الدين” كما يتوهم البعض، وليست “ضد العلمانيّة”، ولا هي حالة من السيولة القيميّة.
إنها بكلّ بساطة دولة تعتبر المواطن كائنًا سياسيًا كامل الحقوق، لا بوصفه تابعًا لمذهب أو حزب أو تيار.
تقوم هذه الدولة على أربعة أسس:
1. لا أيديولوجيا إلزاميّة: الدولة لا تملي على المواطنين ما يجب أن يؤمنوا به.
2. المواطنة المتساويّة: الحقوق تُمنح بوصف الفرد مواطنًا لا بوصفه منتميًا.
3. حياد مؤسسات الدولة السياديّة: الجيش والقضاء والإدارة، التي تتحرك وفق الدستور والقانون، وليس وفق أهواء أو أيديولوجية أو الولاء لأي تيار سياسي أو حزبي أو طائفي حاكم.
4. حرية المجال العام: المجال السياسي مفتوح للجميع ضمن القانون وليس ضمن المحددات العقائديّة.
لكن يبقى سؤال أساسي: هل يستطيع المجتمع العربي؛ بكل تاريخه المثقل بالهويات الأوليّة؛ أن يقبل دولة حيادية؟ أم أن الصراع على شكل الدولة هو انعكاس لصراعٍ أعمق حول معنى الانتماء ذاته؟
– ثالثًا: لماذا ظهرت الحاجة إلى الحياد الأيديولوجي؟
لأن التجربة التاريخيّة أثبتت أن الدولة ذات اللون الواحد تنتج مواطنًا من لون واحد، وخصومًا من أطياف عديدة.
فهل يمكن لدولةٍ أن تضمن وجودها وسيادتها وتستمر وتستقر، وتبني وتعمر إذا شعرت نصف مكوناتها بأنها مستبعدة بحكم “التفسير الرسمي للحق”؟
إن ظهور النماذج المحايدة كان ردًّا على سلسلة من التجارب التي مارست الاحتكار:
* دول دينيّة احتكرت الأخلاق.
* دول علمانيّة احتكرت العقل.
* دول قوميّة احتكرت الهويّة.
* دول ثوريّة احتكرت “الشرعيّة التاريخيّة”.
ومن هنا ينبثق السؤال: هل يحتاج العرب اليوم إلى إعادة تعريف الدولة بوصفها مساحة مشتركة، أم بوصفها جهازًا لتجسيد هويّة معينة؟
– رابعًا: مرتكزات الدولة المحايدة: من النظريّة إلى البنية
يمكن اختصار الأسس العمليّة لبناء دولة محايدة في خمس ركائز:
1. المواطنة المتساوية: لا تمييز لأي سبب.
2. سيادة القانون: القانون هو الحكم، لا الأيديولوجيا.
3. حياد المؤسسات السياديّة: الدولة فوق الأحزاب والطوائف.
4. مجال عام حر ومحكوم بالقانون: لا استبداد ولا فوضى.
5. احتكار العنف المشروع: لا ميليشيات ولا سلاح خارج الدولة.6. الشفافية والمحاسبة. حياد الدولة لا يكتمل بدون آليات رقابة شفافة وخاضعة للمحاسبة تمنع أي مجموعة من اختراق حياد المؤسسات لصالحها، عبر مؤسسات رقابيّة مستقلة لضمان شفافية عمل الدولة ومحاسبتها لتعزيز الثقة في حياديتها.
لكن هنا تبرز معضلة أساسية: كيف يمكن إقناع مجتمعات متعبة من الصراعات بأن الحياد ليس موقفًا ضد عقائدها، بل ضمانة لحريتها؟
– خامسًا: علاقة الدولة المحايدة بالدين: تحييد السلطة لا تحييد القيّم
لا تطلب الدولة المحايدة من الدين الانسحاب من الحياة، فكل الأنظمة تسكنها روح دينيّة؛ بل تطلب منه ألا يتحول إلى ذراع سلطويّة.
فالدين في هذه الدولة يُعد مصدرًا من مصادر الأخلاق العامة؛ مثل الفلسفة والأعراف الثقافيّة؛ لكنه لا يتحول إلى “إيديولوجيا دولة”.
حول كيفيّة تعامل الدولة المحايدة مع التشريعات ذات الخلفيّة الدينيّة (مثل قوانين الأسرة والأحوال الشخصيّة). هل تتركها للمجال الخاص والمحاكم الطائفيّة؟ أم تطور تشريعاً مدنياً موحداً يستلهم من مختلف المصاد؟
وهنا يظهر سؤال فلسفي عميق:
هل يستطيع التدين أن يتحول من خطاب ملزم إلى خطاب إلهام؟ وهل نحمي الدين حين نخرجه من الصراع السياسي أم نُضعفه؟
– سادسًا: تجارب عالمية: نماذج متباينة للحياد
لقد جُرِّبت فكرة الحياد بدرجات مختلفة:
– ماليزيا: نموذج هجين بين التعدديّة والهيمنة، لكنه حافظ على استقرار نسبي.
– إندونيسيا: دولة ذات هويّة عامة لكنها لا تفرض تفسيرًا دينيًا واحدًا.
– تونس بعد 2014: حيث حاول الدستور الجديد الفصل بين الهويّة الإسلاميّة للشعب وطبيعة الدولة المدنيّة المحايدة، في تجربة هشة لكنها ملهمة.
– تركيا قبل 2016: تجربة لدولة ذات خلفيّة تاريخيّة معينة لكنها محكومة بقواعد مدنيّة.
هذه النماذج تطرح سؤالًا نقديًا: هل يمكن للعالم العربي أن يستعير نموذجًا جاهزًا، أم أن الحياد لا يتحقق إلا عبر صيغة محليّة تصاغ على نارٍ بطيئة من التوافقات العميقة؟
– سابعًا: نحو تصوّر لبناء دولة محايدة في البيئة العربية
إن أي مشروع لبناء دولة محايدة في العالم العربي يحتاج إلى:
1. إعادة تعريف الدولة بوصفها مؤسسة تعاقديّة لا رمزًا هوياتيًا.
2. تعزيز استقلال المؤسسات بضمانات دستوريّة حقيقيّة.
3. إعادة بناء المجال السياسي على قاعدة المنافسة لا المناكفة.
4. تحويل الهويّة من ساحة صراع إلى فضاء تعدد.
5. تحييد التعليم والإعلام عن الاصطفافات الأيديولوجية.
6. إطلاق مشروع مصالحة وطني شامل وطويل المدى، لا يقتصر على تقاسم السلطة، بل يعالج جروح التاريخ المشترك ويعيد تعريف الذاكرة الجمعيّة على أسس تتسع للجميع.
لكن يبقى السؤال الأكثر تعقيدًا: هل نحن مستعدون لدولة لا تُشبه أهواءنا الآيديولوجيّة، بل تُشبه حاجتنا للوجود وللبقاء والاستمرار والأمن والاستقرار والتنمية والعمران؟
* خلاصة: نحو دولة تشبه المستقبل لا الماضي
إن الدولة المحايدة أيديولوجيًا ليست فكرة مثاليّة، بل ضرورة تاريخيّة في سياقٍ تتنازع فيه الهويات، وتتصارع فيه الأيديولوجيات على امتلاك الدولة بدلًا من تقويتها.
هي دولة لا تصطف مع أي تيار، لكنها تعمل على تأمين عمل القوى التي تشتغل داخل المجتمع وتمنح كل التيارات والأطياف السياسية والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، مساحة عادلة للمنافسة.
ليست دولة بلا قيّم، بل دولة تُدير وتدبّر القيّم بدلًا من أن تنحاز لها.
ويبقى السؤال المفتوح للقارئ، سؤالًا يحمل روح الفلسفة السياسيّة وقلق المستقبل:
هل يمكن أن يولد جيل يقبل دولةً تشبه شرط وجود الجميع؟ أم أن قدرنا أن نبقى سجناء سؤال الهويّة، نبحث عن دولة تشبه ماضينا المتخيل، بينما نضيع حاضرنا ونهدر مستقبلنا؟
هذا السؤال ليس خاتمة، بل بداية التفكير.

نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...