القفطان كرأسمال رمزيّ: في إشكاليّة توليد الهالة الحضاريّة واستعارة الذات عبر مرآة الآخر

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار

 

 

– أولًا: التأسيس التاريخي: الرمز بين الذاكرة والمتحف
  لم يكن القفطان مجرد رداءٍ يُقاس بطول الذراع وعرض الكتف، بل كان حكاية جسدٍ مغربيٍّ يروي عبر تطريزاته علاقةً جد مركّبة بين الحميميّة والاجتماعيّ، بين الفردي والجماعيّ. لكنّ التحوّلات الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة في القرنين الأخيرين حولته من ممارسة يوميّة حيّة إلى “تراث” يُحفظ في الخزائن ويُستعاد في المناسبات.
لكن كيف يتحوّل الرمز من حامل للدلالة الحياتيّة إلى وعاءٍ للهويّة المجمّدة؟ وهل يمكن للهالة الحضاريّة أن تولد من رحم المتاحف والاحتفالات الرسميّة؟
  إنّ التاريخ لا يخبرنا عن الرموز إلا عندما تتحوّل إلى شواهد على زمنٍ ماضٍ، لكنّ التحليل الأنثروبولوجي يكشف أنّ الرمز يبقى حيّاً فقط عندما يظلّ جزءاً من نسيج الممارسة اليوميّة، لا عندما يُحوَّل إلى أيقونةٍ تُعرض.
– ثانيًا: تشريح الأزمة: اغتراب الذات عن رموزها
  نحن هنا أمام مفارقة وجوديّة: المجتمع المغربي ينتج الرموز (القفطان، الشاي، الطقوس) ويعيش في كنفها، لكنّه يفقد القدرة على رؤيتها إلا عبر عين الآخر. هذا “الاغتراب الرمزي” يتجلّى في ثلاثة مستويات:
1. المستوى السردي: نحن نفتقر إلى سلطة سرد رموزنا كـ حكاية حيّة. الإعلام الغربي يمتلك آليّات تحويل التفصيل العادي إلى قصّة استثنائيّة، بينما نقدّم نحن رموزنا بلغة التذكير أو الدفاع. هل يمكن بناء هالة حضاريّة بلغة الخطاب الدفاعيّ؟
2. المستوى النفسي والاجتماعي: نعاني من “عقدة الدونيّة الرمزيّة”، حيث لا يكتسب الرمز قيمته إلا بعد اعتراف الآخر به. هذا يطرح إشكاليّة الشرعيّة الرمزيّة: من يمنح الشرعيّة للرمز: الذات الحاملة له، أم الناظر الخارجيّ؟
3. المستوى الوظيفي: نحن نقدّس الرمز لكننا لا نؤمن به كمشروع حضاريّ معاصر. القفطان يُقدَّم كـ “تراث” و”هويّة”، لكن نادراً ما يُقرأ كتعبير عن فلسفة جماليّة خاصّة، أو كرؤية للعالم قابلة للحوار مع الحداثة.
فأين يقع الفاصل بين التقديس المتحفيّ للإرث، والإيمان الحيويّ بإمكاناته المستقبليّة؟
– ثالثًا: آليّات صناعة الهالة: المسافة التأويليّة وسلطة السرد
  الهالة الحضاريّة، لا تولد من القدم أو الندرة، بل من القدرة على خلق مسافة تأويليّة تسمح برؤية الرمز كعالمٍ قائمٍ بذاته.
فالقناة الهولنديّة لم تكتشف القفطان، لكنها أنتجت مسافةً بين المشاهد والرمز، قدّمته من خلالها كـ نافذة على نظام قيمٍ كامل: فلسفة الضيافة، إدارة الزمن، مفهوم الجمال والجسد.
  هنا يتجلّى دور الرأسمال الرمزيّ كسلطة غير ماديّة: إنه قدرة جهةٍ ما على منح المعنى وإنتاجه، وتحويل الملموس إلى مجرّد يحمل دلالةً عالميّة.
والسؤال: لماذا تفشل النخب المحليّة في توليد رأسمالها الرمزيّ من رموزها، بينما تنجح أطراف خارجيّة في استثماره؟ الجواب قد يكمن في الفجوة بين امتلاك الرمز وامتلاك أدوات تحويله إلى خطابٍ حضاريّ مقنعٍ لعالمٍ متعدّد.
– رابعًا: الاستشراف: نحو أنطولوجيا رمزيّة جديدة
  لا يكفي تشخيص الأزمة، بل لا بدّ من تصوّر آليّات الخروج منها. وهذا يتطلّب:
  تحرير الرمز من سجن الهويّة الضيّق: تقديمه لا كحصيلةٍ لماضٍ مغلق، بل كـ إمكان مفتوح على الحوار والتطوّر. القفطان يمكن أن يكون نقطة انطلاق لتأمّل علاقة الجسد بالمكان والنسيج واللون في العصر الرقميّ.
  بناء سرديّات مركّبة: سرديّة تجمع بين العمق التاريخيّ والراهنيّة المعيشة، بين الجماليّة الفلسفيّة والوظيفة الاجتماعيّة. كيف نروي القفطان كتجربة جسديّة-جماليّة قبل أن نرويه كعلامة هوويّة؟
  تأسيس الثقة الرمزيّة: وهي العمليّة الأصعب، حيث تنتقل الذات من موقع المستهلك لصورة نفسها في مرآة الآخر، إلى موقع المنتج الفاعل لسرديّتها ورأسمالها الرمزيّ. هل يمكن بناء هالة حضاريّة دون ثقة جمعيّة بقيمة الذات الرمزيّة؟
– خامسًا: خلاصة تأويليّة: في انتظار المرآة الأخيرة
  المعضلة ليست في فقدان الرموز، بل في فقدان القدرة على رؤيتها رؤيةً توليديّة. نحن نعيش داخل القفطان لكننا لا نراه إلا حين يخرجه الآخر من سياقنا الحيويّ ويضعه في سياقه الإعلاميّ الجذّاب.
  ربّما تكون الخطوة الأولى نحو توليد الهالة الحضاريّة هي كسر مرآة الآخر والتوقّف عن انتظار انعكاسنا فيها. حينها فقط، سيعود القفطان والجلابة والزليج واللغة والذاكرة، لا كشواهد على زمن مضى، ولا كموضوعات للاستهلاك السياحيّ أو الفولكلوريّ، بل كممارسات حيّة قادرة على إنتاج دلالتها الخاصّة، ومن ثمّ، على منح العالم هبةً جماليّةً جديدة.
  السؤال المُلحّ الذي يبقى مفتوحاً: ماذا نحتاج؛ كثقافة ومجتمع؛ لننتقل من حالة التمسّك الطقوسي بالرمز إلى حالة الإبداع الحضاريّ عبر الرمز؟
الإجابة لا تكمن في التراث نفسه، بل في قدرتنا على استعارته واستدعائه من المتحف وإعادته إلى الحياة.

* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...