«على حَدْ الصايْم»: مقاربة أنثربولوجيّة اجتماعيّة وثقافيّة واقتصاديّة وسياسيّة لآليات التعبئة الأخلاقيّة والتضامن العضوي في المجال العمومي غير المؤسسي
* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار
في سياق النقاش المتجدد حول حدود الدولة الحديثة وفائض التنظيم المؤسسي، تطفو على السطح مقولاتُ “المجتمع” و”التلقائيّة” و”الالتزام الأخلاقي” كحقولٍ مُهمَلة في هندسة السياسات العموميّة.
إعادة التفكير في هذا المفهوم اليوم تفتح أسئلة نقديّة مهمّة:
1. هل فقدت الدولة الحديثة القدرة على إنتاج مثل هذا النموذج من الالتزام؟
2. هل يمكن تحويل أخلاق “على حد الصايم” إلى مورد فكري بديل في سياسات التنميّة المحليّة خاصة وقت الشدة والكوارث؟
3. وما الذي نخسره عندما يُستبدل الواجب الأخلاقي بالأجر أو بالمقاولة؟
من خلال قراءة تحليلية لممارسة «على حَدِّ الصائم»، لا بوصفها مجرد عرفٍ محليٍّ جامد، بل كنظامٍ اجتماعيٍّ ديناميكي لإنتاج التضامن وتنظيم العمل الجماعي، نسعى إلى تفكيك هذه الآلية المجتمعيّة وكشف المنطق الداخلي الذي يحكمها، عبر تساؤل إمكاناتها وحدودها كـ “مورد اجتماعي كامن” يمكن استثماره في تعزيز المرونة المجتمعيّة (Community Resilience) والحكامة المحليّة، وذلك في حوارٍ جدلي نقدي مع النموذج التقني والعقلاني السائد في التخطيط العمومي.
– أوّلاً: الإطار المفاهيمي: بين المؤسسة والعرف وبين العقد والقيمة
تقوم الإشكالية المركزية على ثنائيّة وجدليّة اعتماد متبادل في معادلة: (المؤسسة والعرف) و(العقد والقيمة). فبينما تعمل السياسات العموميّة المعاصرة ضمن حقل “المؤسسة” القائم على أساس مباديء التعاقد الرسمي، والحوافز الماديّة، والمساءلة القانونيّة، وربط المسؤولية بالمحاسبة؛ مفهوم «على حَدِّ الصائم» يعمل ضمن حقل “العرف” القائم على أساس الالتزام الأخلاقي النابع من الانتماء، والمساءلة الاجتماعيّة غير المكتوبة.
هذا التعارض لا يعني القطيعة، بل يفتح المجال لسؤال جوهري، وهو: كيف يمكن للتفكير العمومي أن يستفيد من “الرأسمال الأخلاقي” المتجسد في مثل هذه الممارسات، دون أن يسقط في فخ الاستغلال أو التفكيك الثقافي لتلك المنظومات القيميّة؟
– الفرق بين «على حدّ الصايم» والتسخير العمومي في سياق تدبير المخاطر والمصلحة العامة
رغم التقاطع الظاهري بين ممارسة «على حدّ الصايم» وآليات التسخير العمومي التي تعتمدها السلطات العموميّة في حالات الطوارئ أو لتحقيق مصلحة عامة، فإنّ الاختلاف بينهما اختلافٌ بنيوي يمسّ منطق التعبئة، وطبيعة الإلزام، ومصدر الشرعيّة، وأثر كل منهما على الثقة والالتزام المجتمعي.
– ثانيًا: تشريح الظاهرة: الآليّة والمنطق الاجتماعي والوظائف الكامنة
تتجاوز الممارسة وصفها كعمل جماعي بسيط، لتمثل نظامًا متكاملاً يتضمن:
* آليّة الضبط:
يتم الضبط عبر “الواجب المعياري” المترسخ في الضمير الجمعي، حيث يصبح الامتناع خروجًا عن العرف وخسارةً للاعتبار الرمزي (Capital Symbolique).
المنطق الاقتصادي والاجتماعي: إنه اقتصادٌ للمشاعر والتضامن (Moral Economy) ينتج سلعًا عامة محليّة (مثل إنجاز المسالك الطرقيّة ونظافة الفضاء العام والأمن الجماعي وعمليّة التويزة وتنظيف السواقي…) بكلفة مالية هامشيّة، لكن بكلفة التزام اجتماعي عالية.
* الوظيفة السياسيّة الكامنة:
تشكل الممارسة فضاءً للتفاوض المستمر حول مفهوم “المصلحة العامة” المحليّة، وإعادة إنتاج الهويّة الجماعيّة، وهي بذلك تمارس نوعًا من “السياسة بوسائل أخرى”، خارج القنوات التمثيليّة الرسميّة.
– ثالثاً: الجدل النقدي: الإمكانات والمخاطر في فضاء عمومي هجين
لا تخلو الممارسة من تناقضاتٍ عميقة تجعل استدعاءها في السياسات العموميّة مسألةً إشكالية:
* إمكانات استراتيجية:
ملء الفجوات المؤسسية: تعمل كشبكة أمان تلقائية في المناطق المهمشة أو في أوقات الأزمات السريعة التي تتجاوز بطء البيروقراطية.
* ضمان الاستدامة الاجتماعية للمشاريع:
المشاريع الناشئة عن إرادة جماعيّة ومشاركة مباشرة تتمتع بحظوظ أكبر للاستمرار والصيانة، لأن المجتمع يرى فيها إنتاجًا لذاته.
* تأسيس شرعية محلية للسياسات:
السياسة العمومية التي تحترم وتستند إلى هذه المنظومات الأخلاقية تكون أكثر شرعيةً وقابليةً للتطبيق.
* مخاطر بنيوية:
استغلال “الطوعية” وإضفاء الطابع الرسمي عليها: خطر تحويل الالتزام الأخلاقي إلى واجب مفروض ضمنيًا، وتوظيفه من قبل السلطات لتبرير تقليص الخدمات العامة (“ليفعل المجتمع بنفسه”).
* إعادة إنتاج التراتبيات:
قد تعزز الممارسة التمييز ضد من يعجز عن المشاركة الجسدية (كبار السن، ذوو الإعاقة، النساء في بعض السياقات)، مما يقوض شمولية “المصلحة العامة”.
* تآكل المنظومة الأخلاقية ذاتها:
إن إدخالها في حسابات المشروع العمومي قد يحوّلها من “واجب قيمي” إلى “مقايضة” أو “خدمة”، فيفقدها جوهرها الذي يجعلها فعالة.
– رابعاً: نحو نموذج تداولي للتدخل: الاعتراف دون استتباع
يقترح هذا التحليل الانتقال من نموذج “التطبيق” أو “الدمج” الميكانيكي، إلى نموذج “التفاعل التداولي” بين المنظومتين (المؤسسية والعرفية).
وهذا يتطلب:
* الاعتراف بسيادة المجال الاجتماعي:
اعتبار هذه الممارسات “نظم حياة” قائمة بذاتها، وليس مجرد “أدوات” جاهزة للتوظيف.
* الدعم التمكيني غير التدخلي:
يمكن للدولة توفير الإطار القانوني الحامي (مثل التأمين ضد الحوادث أثناء العمل التطوعي الجماعي)، والدعم التقني واللوجستي (المواد الأولية، الاستشارة الهندسية)، مع ترك عملية التنفيذ والإدارة الاجتماعية للمجال المحلي.
* خلق واجهات تفاوضية مؤسسية:
إقامة آليات حوار دائمة بين الجماعات المحلية (البلديات) وقادة الرأي والتنظيم الاجتماعي المحلي، لتصميم المشاريع بشكل مشترك، بحيث تستفيد من طاقة التعبئة الأخلاقية مع ضمان المعايير الفنية والإنصاف الاجتماعي.
* مقترحات عمليّة للإدماج دون التسخير:
1. إدماج البعد القيمي والاجتماعي في تشخيص الحاجيات المحليّة.
2. اعتماد مقاربات تشاركية تراعي الأعراف المجتمعية دون مصادرتها.
3. استثمار آليات التعبئة الأخلاقية في حالات الطوارئ والأزمات.
4. تطوير أطر مرنة للتعاون بين الجماعات المحلية والمجتمع المحلي.
5. حماية الطابع الطوعي للتضامن المجتمعي من التوظيف القسري.
* خلاصة: التضامن كمسألة سياسية
لا تكمن أهمية «على حَدِّ الصائم» في كونها حلًا تقنيًا لنقص الموارد فحسب، بل في كونها تذكيرًا قويًا بأن جوهر الفعل العمومي لا يكمن في المورد المالي أو الإجراء الإداري فقط، بل في “الرغبة في العيش معًا” والطاقة الأخلاقية الجماعية.
إن تحدي السياسات العموميّة المعاصرة هو كيفية استيعاب هذه الحقيقة دون اختزالها أو قتلها بالتنظيم. إنها دعوة للتفكير في “عموميّة” (Publicness) أكثر اتساعًا، تضم إلى جانب المؤسسة والقانون، فضاءات التضامن العضوي والأخلاق المدنية المحليّة.
في هذا الفضاء الهجين، قد تجد السياسة العموميّة شراكات غير متوقعة، وتجد الممارسات التقليديّة حمايةً من التحول إلى عبء استغلالي، في عملية إبداعيّة مستمرة لإنتاج المدينة المشتركة.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





