* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار
هي ظاهرةٌ شديدة الإيلام، لكنها ليست غريبة إذا نُظِر إليها من زاوية منطق الدولة لا من زاوية منطق الشعوب المغلوبة على أمرها.
ففي كثير من الأحيان، لا تعكس سياسات الدول معاناة شعوبها ولا أولوياتهم الفعليّة، بقدر ما تعكس هواجس النخب الحاكمة: خوفها من فقدان النفوذ، أو سعيها لشراء شرعيّة خارجيّة، أو محاولتها تصدير أزماتها الداخليّة إلى الخارج.
* حين تُدار الدول بعقليّة المؤامرة: الفقر المصنَّع وتصدير الأزمات
وحين تعجز الأنظمة العسكريّة أو اللاهوتية الحاكمة عن توفير الخبز والدواء والكرامة لمواطنيها، تلجأ؛ في مفارقة فاضحة؛ إلى اختراع عدو وهمي خارجي أو إشعال صراعات بالوكالة، بغرض تشتيت الغضب الداخلي وإعادة إنتاج ذاتها سياسيًا.
والأشد قسوة في هذه المفارقة أن:
1. الأموال التي تُهدر في الفتن والمؤامرات كان يمكن أن تنقذ ملايين من الفقر والهشاشة والجوع والمرض؛
2. والطاقات التي تُسخَّر للتآمر والدسائس وتهديد سيادة وأمن واستقرار وتنمية دول الجوار، كان يمكن توجيهها إلى البناء والعمران والتنمية؛
3. والضحايا الحقيقيين ليسوا فقط الشعوب الأخرى، بل شعب ذلك البلد نفسه الذي يُستنزف باسمه وضد مصلحته.
* بلدان غنيّة وسكّان فقراء: تشريح أخلاقي لسلطات تصنع البؤس
تكشف هذه السلوكيّات حقيقةً عميقة مفادها أن الفقر ليس دائمًا فقر موارد، بل فقر أخلاق وحكامة ورؤية.
ولعل أخطر اتهام يمكن توجيهه إلى هذه الأنظمة الحاكمة هو أن بلدانها كانت؛ ولا تزال؛ بلدانًا غنيّة، وسكّانها فقراء.
وفي هذه الحالة، لا يكون الفقر هيكليًا أو حتميًا، بل عارضًا ومصنوعًا؛ ناتجًا أساسًا عن سوء التدبير، وسخف المؤسّسات العامة، والغلوّ الإقطاعي في الاستغلال، لا عن انعدام حقيقي في مادة الرفاه أو قحالة جوهريّة في مصادر الإنتاج (طاقة وغاز وبترول…) وعناصر التنمية والعمران.
* الخلاصة:
وحين تُدار الدول بعقليّة المؤامرة لا بعقلية الدولة، تصبح الخسّة وركوب الدناءة، أداةً سياسيّة ويُسوَّق التخريب بوصفه «إنجازًا»؛ بينما يبقى الإنسان آخر ما يُفكَّر فيه.
إنها مأساة مركّبة: سلطة تفترس شعبها، ثم تستخدم ما سرقته منه لإيذاء الآخرين.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





