طلحة جبريل
أعتقد أن الجميع يدركون أهمية الرياضة ودورها في ترسيخ القيم النبيلة، غير أن المنشطات للأسف تقوّض هذه القيم وتلحق ضررًا بالرياضيين وسمعة الرياضة ككل. ومن هنا تبرز أهمية الإعلام في تشكيل الوعي العام والتأثير على الرأي العام بشأن هذه القضية. المؤكد أن مكافحة المنشطات ليست مسؤولية الهيئات الرياضية وأجهزة الرقابة وحدها، بل تتطلب تضافر جهود مختلف الجهات الفاعلة، وفي مقدمتها الصحافة.
لا بد أن يتجه الصحافيون إلى الصحافة الاستقصائية عند تناول قضية المنشطات، إذ بدون هذا النوع من الصحافة لا يمكن الوصول إلى الحقائق ولا تحقيق الردع المطلوب. فالصحافة الاستقصائية هي عمل صحفي عميق ومبتكر، يوظف أساليب بحث منهجية، ويكشف النقاب عن أسرار ويضع الحقائق أمام الرأي العام. أهميتها تكمن في أنها تبني مجتمعات تقدّر النزاهة، وتثقف المتلقين عبر التعريف بالقضايا التي تمس حياتهم اليومية، ومن بينها قضية المنشطات.
دور الصحافي في هذا المجال يتمثل في إجراء تحقيقات معمقة للكشف عن حالات التعاطي وشبكات التوزيع، اعتمادًا على مصادر موثوقة وأدلة قوية، وتغطية جلسات الاستماع والمحاكمات المتعلقة بقضايا المنشطات بشفافية ودقة، وتتبع وفضح الثغرات في الأنظمة الرقابية التي تُستغل لتعاطي المنشطات، وشرح المخاطر الصحية والأخلاقية والقانونية لهذه المواد بلغة مبسطة وواضحة. كما يشمل دوره تسليط الضوء على الآثار السلبية للمنشطات على صحة الرياضيين على المدى القصير والطويل، ونشر قصص وتجارب رياضيين تضرروا من تعاطيها أو رفضوا اللجوء إليها، وإجراء حوارات مع خبراء ومسؤولين لتقديم معلومات دقيقة وموثوقة، وإنجاز مواد استقصائية حول أنشطة الهيئات الرياضية والمنظمات المكلفة بمكافحة المنشطات، وكشف أي تقصير أو تراخٍ في تطبيق القوانين واللوائح، والمطالبة بالشفافية والمساءلة في عمل هذه الهيئات ولا يقل أهمية عن ذلك إبراز قصص النجاح والإنجازات التي تحققت بنزاهة ودون اللجوء إلى المنشطات، وتقديم الدعم المعنوي للرياضيين الملتزمين بالروح الرياضية والقيم النبيلة، وخلق بيئة إعلامية تحتفي بالرياضة النظيفة وتشجع عليها، وبناء علاقات تعاونية مع المنظمات الوطنية والدولية لمكافحة هذه الظاهرة.
ومع ذلك، فإن الصحافيين الذين يعتمدون على مناهج الصحافة الاستقصائية يواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على معلومات موثوقة وأدلة قاطعة في مثل هذه القضايا الحساسة، كما أنهم يتعرضون لضغوط وتهديدات عند كشف الحقائق. لكن رغم هذه المخاطر، تبقى الصحافة الاستقصائية ضرورة لا غنى عنها لحماية نزاهة الرياضة وصون القيم التي تقوم عليها، فهي السلاح الأهم في مواجهة ظاهرة المنشطات، والضمانة لبقاء الرياضة فضاءً نظيفًا يليق بالإنسان وقيمه.





