أطياف الذنب

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

سمر يزبك
كاتبة وروائية وإعلامية سورية

 

من يقرأ تاريخ سورية الحديث ببرودة الباحث لا بحرارة الشاهد، يلاحظ أن جرائم النظام منذ اندلاع الثورة السورية لم تكن انحرافاً طارئاً ولا ردَّة فعل على تمرّد مفاجئ، بقدر ما كانت مساراً تراكمياً طويلاً صيغ بعناية داخل الدولة نفسها. العنف في نظام البعث والأسدَين (الأب والابن) تحديداً لم يكن وسيلةً اضطرارية لحماية السلطة، وإنما كان لغة الحكم، ونمط الإدارة، وأداةً لإنتاج الطاعة. السجن، والتعذيب، والاختفاء القسري، كانت عناصر عضوية في بنية النظام السياسي السوري الحديث، استُخدمت لضبط المجتمع قبل الثورة بسنوات طويلة. بهذا المعنى، يمكن فهم ما جرى بوصفه لحظة اصطدام بين دولة صُمّمت على أساس القهر، ومجتمع لم يعد قادراً على احتمال هذا القهر.
الثورة (في التحليل السوسيولوجي) هي لحظة تفكّك عنيف لبنية قديمة أكثر من أن تكون كياناً أخلاقياً متجانساً. هي انكسار في احتكار السلطة، وحين ينهار النظام الذي كان يحتكر العنف يتسرّب هذا العنف إلى المجال الاجتماعي، ويتحوّل إلى مورد متاح، وأحياناً مغرٍ، لمن حملوا السلاح باسم الخلاص. وهنا يجب الاعتراف، بدافع الفهم لا بدافع الإدانة أو المساواة، أنّ بعض من ثاروا على النظام مارسوا شروراً حقيقية. لم يكن ذلك لأنهم “مشابهون” للنظام أو شركاء له، وإنما لأنهم تحرّكوا داخل فضاء دمّره النظام أخلاقياً قبل أن يدمّره مادّياً. الشرّ هنا نزل من أعلى، ولم ينشأ من الشارع. الثورة لم تخلق هذا العنف، لكنّها لم تنجُ منه أيضاً. وهذا الاعتراف لا يجرّدها من معناها التاريخي، بقدر ما يعيدها إلى حجمها الإنساني، بكل ما فيه من هشاشة وانفلات.
يأخذنا هذا إلى سؤال العدالة بعد التحرير، لنكتشف سريعاً أن اللغة السياسية والقانونية السائدة هنا فقيرة إلى حدّ الفضيحة. العدالة لا تُختزل في محاكمات عاجلة كما يظهر ذلك في الشاشات في لقطات مرتجلة، ولا في دعوات عامة إلى المصالحة. في المجتمعات الخارجة من عنف منظّم طويل، تكون العدالة عملية تاريخية بطيئة، متشابكة، ومؤلمة للجميع. هي محاولة لإعادة ترتيب المسؤوليات قبل البدء بالبحث عن معاقبة المجرمين.
محاكمة جرائم النظام ليست خياراً أخلاقياً فحسب، بل شرطٌ أساسيٌّ وتأسيسيٌّ لأيّ وطن قابل للحياة. دولة لا تنشد العدل للضحايا (مهما كانت الحجج) تبني حاضرها على إنكار، والإنكار شكل آخر من أشكال العنف. لكن في الوقت نفسه، فإن العدالة تفقد معناها حين تتحوّل إلى أداة انتقائية، ترى الشرّ حيث يناسبها وتغضّ الطرف عنه حيث يُحرجها. هنا تصبح العدالة نفسها جزءاً من الأزمة. وهذه الانتقائية ذاتها هي التي قسّمت المجتمع السوري بعد التحرير بين أبرياء ومجرمين.
لقد أنتجت جرائم النظام الهارب على مدار سنوات الثورة (وقبلها أيضاً، كي لا ننسى أجيالاً بأكملها أمضت أعمارها في معتقلات الأسد) طيفاً واسعاً من المواقع الأخلاقية: من رؤوس النظام، إلى المنفّذين، إلى المستفيدين، إلى الصامتين. بالتأكيد، هذه المواقع ليست متساوية، لكنّها مترابطة. والعدالة التي تتجاهل هذا التعقيد تتحوّل إلى سردية مريحة بدل أن تكون تفكيكاً حقيقياً للماضي.
الاعتراف بهذا الطيف لا يعني تحميل المجتمع ذنباً جماعياً، وإنما يعني العمل على تحريره من وهم البراءة المطلقة، وهو وهم غالباً ما يُستخدم للهروب من أيّ مساءلة مستقبلية. بناء الوطن لا يبدأ حين نعلن أننا كنّا جميعاً ضحايا، وإنما حين نعترف، وحين نمتلك الشجاعة لنسأل: ماذا فعل كلٌّ منّا أو لم يفعل حين كان الفعل ممكناً؟
من هنا، الاعتراف بجرائم النظام، والاعتراف بانحرافات من ثاروا عليه، ليسا مسارَين متناقضَين، بقدر ما هما شرطان متلازمان لبناء الأوطان. الوطن الذي يمكن العيش فيه هو ذاك الذي لا يخاف من الحقيقة، ولا يحتاج إلى تبرئة شاملة كي يبدأ من جديد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...