عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
إن التحول التاريخي والنوعي الذي شهده مسار كرة القدم المغربية في الآونة الأخيرة لم يكن مجرد طفرة عابرة أو إنجازاً وليد الصدفة والظروف بل جاء بمثابة زلزال فكري أعاد رسم خارطة التوقعات للكرة الإفريقية والعربية بأسرها على الساحة الدولية ومزق إلى غير رجعة تلك القيود والأحلام المتواضعة التي طالما حاصرت المنتخبات الطموحة في خانة التمثيل المشرف ومجرد مقارعة الكبار ولذلك فإن توقف مغامرة الأسود في كأس العالم 2026 عند محطة ربع النهائي على أرض ملعب جيليت بمدينة بوسطن الأمريكية إثر الهزيمة بهدفين دون رد أمام المنظومة الفرنسية لا ينبغي أن يسقط في فخ السلبية المطلقة أو يقلل من القيمة الكبيرة للمشوار المونديالي خصوصاً وأن الإعلام الدولي والعربي أجمع على أن الأسود غادروا البطولة برؤوس مرفوعة بعد مسيرة استثنائية واجهوا فيها أحد أقوى عمالقة اللعبة وأكثرهم اكتمالاً وواقعية في اللحظات الحاسمة ومع إثبات المنتخب للمرة الثانية توالياً أنه بات رقماً صعباً وضمن الصفوة العالمية بتربعه في المركز السادس عالمياً كإنجاز فريد وغير مسبوق عربياً وإفريقياً تبرز أهم المكاسب في ترسيخ تلك الشخصية التنافسية الواضحة التي تؤكد للعالم أن ما تحقق في ملحمة قطر قبل أربع سنوات لم يكن ضربة حظ عابرة بل نتاج مشروع استراتيجي وطني مستدام لقطاع الكرة بدأ يجني ثماره الحقيقية في مقارعة الكبار والوقوف نداً لند أمامهم حتى وإن حسمت الخبرة والجزئيات الهجومية الصغيرة مجريات اللعب في النهاية وهذا النضج الذهني الفائق والتمرس تحت الضغط هو السقف الحقيقي والفيصل الحاسم الذي يميز القوى الكروية العظمى عن تلك الفرق التي تكتفي بملامسة المجد دون القبض عليه مما يستدعي انطلاق عمل مؤسساتي مستدام ومدروس يبدأ من تسييل رصيد التجربة المكتسبة الحالية وضخه بكثافة في عروق هذا الجيل الاستثنائي والأجيال الصاعدة عبر ربط أكاديميات ومراكز التكوين المحلية بأحدث مناهج الإعداد السيكولوجي والذهني الرياضي لإبادة أي رهبة فكرية متبقية وتكريس عقلية جماعية لا ترضى بغير الانتصارات ثقافة وهوية وهو ما يجعل المحطة المرتقبة المتمثلة في تنظيم نهائيات كأس العالم 2030 بشكل مشترك بمثابة الامتحان التاريخي الأكبر والمنصة المثالية لقطف ثمار هذه الرؤية بعيدة المدى حيث إن اللعب على الأرض والتسلح بالجماهير الشغوفة يشكل طاقة دافعة لا مثيل لها ولكنها في الآن ذاته تفرض مسؤولية وطنية وقارية مضاعفة تقتضي بدء التحضير الفعلي وبناء الجيل القادر على انتزاع الذهب العالمي وتأكيد أن كلمة المستحيل قد شُطبت نهائياً وبلا عودة من القاموس الرياضي للمملكة.





