أضحى المسار التصاعدي للمبادلات التجارية بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، مرادفا لتحولٍ يتجاوز حدود الانتعاش الاقتصادي التقليدي، ليكشف عن إعادة تموقع متسارعة للرباط داخل الحسابات الاستراتيجية لواشنطن في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط والقارة الإفريقية، في وقت تعرف فيه العلاقات التجارية الأمريكية مع بعض الشركاء الأوروبيين، وفي مقدمتهم إسبانيا، تباطؤا نسبيا.
وإذا ما عدنا إلى الأرقام الرسمية الصادرة عن الإدارة الأمريكية، يتضح أن الصادرات الأمريكية إلى المغرب سجلت خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026، الممتدة من يناير إلى ماي، مستوى قياسيا بلغ 2,745 مليار دولار، وهو أعلى رقم يتم تسجيله خلال هذه الفترة منذ سنة 2022.
كما يمثل هذا الأداء زيادة تفوق 73 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2022، عندما لم تتجاوز الصادرات الأمريكية نحو السوق المغربية 1,585 مليار دولار، في مقابل ذلك عرفت الصادرات الأمريكية إلى إسبانيا تراجعا بنحو 10,9 في المائة خلال الفترة ذاتها مقارنة بمستويات التعافي التي أعقبت جائحة كورونا، في مؤشر يعكس اختلافا واضحا في مسار العلاقات التجارية الأمريكية مع البلدين، ويؤشر إلى تحول تدريجي في أولويات واشنطن الاقتصادية نحو الضفة الجنوبية للمتوسط.
ولا تبدو هذه النتائج منفصلة عن البيئة الاقتصادية التي نجح المغرب في بنائها خلال العقدين الأخيرين، إذ أصبح يوفر للمستثمرين الأمريكيين منظومة متكاملة تجمع بين الاستقرار السياسي، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والبنية التحتية الحديثة، فضلا عن اتفاقياته التجارية التي تمنحه وصولا متميزا إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية.
ويظل اتفاق التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة، الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2006، أحد أهم مرتكزات هذا المسار، باعتباره الاتفاق الوحيد من نوعه الذي يربط واشنطن بدولة إفريقية، حيث ساهم الاتفاق في إزالة معظم الرسوم الجمركية على المنتجات الصناعية والزراعية، وفتح الباب أمام توسع الاستثمارات الأمريكية داخل المملكة، لاسيما في قطاعات السيارات والطيران والخدمات الرقمية والتكنولوجيا والطاقات المتجددة، وهي قطاعات أصبحت تشكل اليوم العمود الفقري للصناعة المغربية الموجهة نحو التصدير.
كما لعبت المنظومة الصناعية واللوجستية المغربية دورا محوريا في هذا التحول، إذ باتت مناطق مثل طنجة والقنيطرة والدار البيضاء تستقطب استثمارات أمريكية متزايدة بفضل توفرها على بنية صناعية متطورة وربط لوجستي عالي الكفاءة، والحديث هنا عن ميناء طنجة المتوسط باعتباره أحد أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، إذ تحول إلى منصة استراتيجية تربط بسلاسة بين الأسواق الأمريكية والأوروبية والإفريقية، مما عزز من جاذبية المغرب كمركز إقليمي للإنتاج وإعادة التصدير.
ويواكب هذا الزخم الاقتصادي اهتمام سياسي متواصل من دوائر القرار الأمريكية، إذ تحرص وزارة الخارجية الأمريكية على تنظيم لقاءات ومشاورات مع الفاعلين الاقتصاديين للتعريف بفرص الاستثمار التي توفرها المملكة، كما يبرز الدور الذي يضطلع به السفير الأمريكي بالرباط، ديوك بوكان، الذي أكد خلال مشاركته في معرض “جيتكس إفريقيا 2026” بمدينة مراكش أن المغرب أصبح نموذجا إفريقيا في التحديث الاقتصادي والتحول الرقمي، معتبرا أن البيئة الاستثمارية التي توفرها المملكة تجعلها الوجهة الأكثر جاذبية للشركات الأمريكية الراغبة في توسيع حضورها داخل القارة.
ولا يقتصر التقارب المغربي الأمريكي على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل يمتد إلى شراكة استراتيجية متنامية في مجالات الأمن والدفاع، تتجسد في خارطة الطريق للتعاون الدفاعي للفترة ما بين 2026 و2036، إلى جانب مناورات “الأسد الإفريقي” السنوية، والتعاون في مجالات الأمن السيبراني، والتكنولوجيا المتقدمة، والصناعات الدفاعية.
وتقاطعت هذه القراءة مع تحليلات إعلامية إسبانية، من بينها صحيفة “vospopuli” المقربة من الجيش، التي اعتبرت أن النمو المتسارع للمبادلات التجارية بين واشنطن والرباط يأتي في سياق يشهد فتورا نسبيا في العلاقات التجارية والسياسية بين الولايات المتحدة وإسبانيا، وهو ما يفسر تراجع الصادرات الأمريكية نحو السوق الإسبانية مقابل صعودها اللافت في السوق المغربية، رغم احتفاظ مدريد بحجم تبادل تجاري إجمالي أكبر.
ويعكس هيكل المبادلات بين البلدين تنوعا في السلع المتبادلة، إذ يصدر المغرب إلى الولايات المتحدة منتجات تشمل قطع غيار السيارات والطائرات، والأسمدة والمنتجات الكيماوية الفوسفاتية، إضافة إلى المنتجات الزراعية والغذائية، في المقابل، يستورد من السوق الأمريكية المشتقات البترولية والمواد الخام، وعلى رأسها غاز البترول والذرة، فضلا عن الآلات ومعدات الطيران.
المصدر: الصحيفة





