حسن مدن
كاتب وباحث من البحرين.
في كتابه الموسوم “الجماعة، المجتمع، الثقافة: ثلاثة مفاتيح لفهم الهويات المتنازعة” (ترجمة مصطفى شقيب، دار الفارابي، بيروت، 2015)، يعالج الأنثروبولوجي الفرنسي موريس غودلييه الفرق بين الجماعة والمجتمع، فالجماعة تقوم على أسس قرابية أو دينية أو إثنية أو مهنية، ويسمها التشابه أكثر من الاختلاف، أمّا المجتمع فهو أكبر بكثير: منظومة شاملة من العلاقات والمؤسّسات والسلطات والقوانين والاقتصاد والرموز التي تسمح لجماعات متعدّدة ومختلفة بأن تعيش في إطار واحد، لذلك يمكن للمجتمع الواحد أن يحتوي عشرات الجماعات، ولا يصحّ اختزاله في أيّ جماعة مهما كانت قوية.
من التجارب التي وقف غودلييه أمامها في بحثه، تجربة قيام الدولة السعودية منطلقة من التقاء رجلين كانا يمثّلان قوّتَين اجتماعيتَين في العام 1742: رَجل الدين محمّد بن عبد الوهاب ومحمّد بن سعود، لينشأ نوع من التحالف بين الرَّجلَين وما يمثّلانه انتهى بعد مخاض طويل ومعقّد إلى قيام “المملكة العربية السعودية”، وهو أمر لم يكن ليحدث لولا أنّ الجماعة أنتجت مجتمعاً، وهذا الأخير مجموع العلاقات الاجتماعية التي عنها يمكن أن تنشأ الدولة جهازاً لتنظيم السلطة.
المجتمع أكثر تعقيداً من الجماعة؛ لا تختفي فيه الروابط الإنسانية، لكنّ طبيعتها تتغيّر، فالفرد في المجتمع الحديث يدخل في علاقات يومية واسعة مع أشخاص لا يعرفهم معرفة شخصية، ويخضع معهم للقانون نفسه، من دون أن تربطه بهم قرابة، فالناس مختلفون في آرائهم وأعمالهم، لكنّهم يعتمد بعضهم على بعض.
يمكن إيجاز هذا بالقول إنّ الجماعة تصنع الهُويّة، أمّا المجتمع فيصنع المواطنة، ومن هذه الأخيرة تنشأ الحاجة إلى بلورة هُويّة جمعية، هي نفسها التي تسمّى “قومية” أو “وطنية” في البلد أو المجتمع المعني، تتعايش وتتآلف في إطارها الهُويّات الفرعية التي تمثّل الجماعات، وغدت مجتمعاً قائماً على التنوّع والتعدّدية لا ينفيان المشتركات، والأمم التي لا تفلح في تحقيق ذلك تصبح عرضة للتمزّقات والنزاعات وكذلك الحروب الأهلية. وحولنا، في عالمنا العربي اليوم، الكثير من الأمثلة.
تقتضي المواطنة أن يصبح جميع الأفراد متساوين أمام القانون بصرف النظر عن أصولهم وانتماءاتهم الأولية، على نقيض ما يحكم الجماعة من اعتبارات، كأن تمنح هذه الجماعة امتيازاً للقريب أو ابن القبيلة أو ابن الطائفة، بينما يقتضي المجتمع الحديث أن يكون معيار الحقوق هو القانون وحده.
أظهرت التجارب خطأ التوقّعات التي راجت في بدايات الحداثة ومفادها أبنّ الجماعات التقليدية ستختفي تدريجياً أمام توسّع الدولة الحديثة والاقتصاد الصناعي، فالإنسان، رغم انخراطه في مجتمع واسع تحكمه المؤسّسات والقوانين، لا يزال يشعر بالانتماء إلى جماعات، ما حمل بعض المفكّرين على القول إنّه من الخطأ النظر إلى الجماعة والمجتمع باعتبارهما طرفَين متعارضَين. فالفرد يعيش داخلهما معاً، ربّما لأنّ الأولى تمنحه شعورَ الانتماء والهُويّة الأولية، بينما يمنحه المجتمع فضاءً أوسع للحرّية والعمل والإبداع والتفاعل مع المختلفين معه، وحين تحاول الجماعة أن تحلّ محلّ المجتمع، تغدو العصبية والانتماءات الضيّقة أعلى من القانون والمواطنة.
التحدّي الأكبر يتمثّل في بناء مجتمع حديث لا يقتلع جذور الجماعة، وفي الوقت نفسه يمنع الجماعة من أن تتحوّل إلى بديل عن القانون والدولة. فالمجتمعات الأكثر تماسكاً ليست تلك التي تذيب الأفراد في جماعات مغلقة، ولا التي تحوّلهم إلى ذوات منفصلة، وإنّما التي تنجح في الجمع بين الانتماء والمواطنة، وأيّ خلل في هذا التوازن قد يعيد الأمور إلى ما قبل الدولة التي بسببها نشأت المواطنة، أي إلى تغوّل الهُويّات الفرعية، قامعةً كانت أم مقموعةً، في الحالة الأولى يستخدمها القامعون أداةَ تسلّط، وفي الحالة الثانية يجعل منها المقموعون ملاذاً.
لا يصبح المجتمع مجتمعاً بمجرّد وجود القانون أو المؤسّسات، بل يحتاج أيضاً إلى المساواة الحقيقية في الحقوق والواجبات، وتأمين فضاء يستطيع فيه الناس أن يناقشوا شؤونهم المشتركة بوصفهم مواطنين، فالمجتمع الذي يفقد فضاءه العام لا يعود إلّا تجمّعاً كبيراً من الأفراد، أمّا المجتمع الحيّ فهو الذي تتحوّل فيه الاختلافات إلى حوار، لا إلى خصومات مغلقة بين الجماعات.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





