نبيل التويول – صحافي دولي مختص في تكنولوجيا الإعلام و الإتصال، وتحليل الخطاب الإعلامي
شعبة صحافة الوكالة ” الصّحافة الدوليّة
يكتسي النقاش العمومي حول إصلاح الصحافة بالمغرب أهمية تتجاوز حدود مراجعة قانونية تخص مؤسسة مهنية بعينها، ذلك أن الأمر يتصل في جوهره بكيفية بناء علاقة متوازنة بين حرية الصحافة، واستقلالية المهنيين، ومشروعية التنظيم الذاتي، وحق الجمهور في إعلام مهني ومسؤول، فضلا عن شروط استدامة المقاولة الصحفية وقدرتها على أداء وظيفتها في فضاء عمومي تتسع فيه المنصات وتتداخل فيه الحدود بين الصحافي والمؤسسة الإعلامية والمنتج الرقمي والمواطن المتلقي والفاعل في إنتاج المعلومة.
من هذا المنظور، تستحق الدراسة التي أنجزها الدكتور والصحافي يونس مجاهد، حول المجلس الوطني للصحافة والعلاقة بين التنظيم الذاتي ونظام هيئات المهن الحرة، قراءة نقدية جادة؛ ليس من أجل مناقضة خلاصاتها لمجرد المناقضة، وإنما لأن قيمة أي بحث في السياسات العمومية تقاس كذلك بقدرته على الصمود أمام الوقائع المتراكمة، والنصوص القانونية، والتجارب المقارنة، والاجتهاد القضائي، والملاحظات الصادرة عن المؤسسات الدستورية، وبقدر ما يفتح من إمكانات لفهم أعمق للمشكلة التي يتناولها.
وتكتسب هذه القراءة اليوم أهمية إضافية لأن النقاش لم يعد يقف عند مستوى التصورات النظرية التي كانت متاحة عند إعداد الدراسة، فقد دخل مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة مسارا تشريعيا ودستوريا متقدما، وأصبح قرار المحكمة الدستورية رقم 261/26 الصادر في 22 يناير 2026 جزءا من المرجعية التي لا يمكن تجاوزها في أي نقاش جدي حول هندسة التنظيم الذاتي للصحافة بالمغرب. وقد قضت المحكمة بعدم دستورية عدد من المقتضيات الواردة في مشروع القانون 026.25، فيما أبقت على مقتضيات أخرى، بما يعني أن الرقابة الدستورية تعاملت مع بنية المجلس وفق معيار التوازن والتمثيلية والتعددية والحياد، أكثر مما تعاملت معها وفق ثنائية جامدة تفصل بين «التنظيم الذاتي» و«هيئات المهن الحرة».
من سؤال «الهجنة» إلى سؤال الشرعية
تقوم أطروحة مجاهد، كما شرحها بنفسه في مقال لاحق نشر في دجنبر 2025، على أن النموذج المغربي جمع بين وظيفة تنظيم الولوج إلى المهنة، من خلال بطاقة الصحافة، ووظيفة التنظيم الذاتي للأخلاقيات، وأن هذا الجمع قاد إلى اعتماد الانتخاب في تشكيل المجلس، في حين أن عددا من النماذج المقارنة يميل إلى الانتداب والتوافق وإشراك أطراف مستقلة وممثلين عن الجمهور. ويذهب مجاهد إلى أن النقاش حول طريقة الاختيار ينبغي ألا يحجب البعد الأخلاقي والمجتمعي للتنظيم الذاتي.
هذه الأطروحة تطرح سؤالا حقيقيا، غير أن تحويلها إلى قاعدة تفسيرية عامة يحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق؛ ذلك أن وجود سند تشريعي لتنظيم هيئة مهنية لا يحسم، في ذاته، طبيعتها باعتبارها تنظيما ذاتيا أو نقيضا له. وقد جاء قرار المحكمة الدستورية ليؤكد أهمية هذه الملاحظة، إذ إن الإطار القانوني لا يصبح منافيا للتنظيم الذاتي لمجرد أن المشرع وضع قواعد لتكوين المجلس واختصاصاته، وإنما يصبح محل إشكال عندما تنحرف تلك القواعد عن مقتضيات الاستقلال والديمقراطية والتمثيلية والتعددية والحياد.
وهذا التحول في زاوية النظر مهم؛ لأن السؤال الدستوري الأكثر دقة لا يتمثل في معرفة ما إذا كان المشرع قد تدخل أم لا، وإنما في معرفة كيف تدخل، وما الحدود التي وضعها لذلك التدخل، وما الضمانات التي تحول دون تحوله إلى وصاية على الجسم المهني.
إن الفصل 28 من الدستور، الذي يشجع السلطات العمومية على تنظيم قطاع الصحافة بصورة مستقلة وعلى أسس ديمقراطية، لا يمكن قراءته بمعزل عن بقية البناء الدستوري المتصل بحرية التعبير والحق في المعلومة والتعددية والمساواة؛ ومن ثم فإن استقلال التنظيم الذاتي لا يفترض غياب القانون، وإنما يفترض أن يكون القانون ذاته أداة لحماية ذلك الاستقلال.
بطاقة الصحافة: بين إثبات الصفة وتنظيم الحرية
تحتاج مسألة بطاقة الصحافة، التي تشكل إحدى ركائز نقد الدراسة، إلى فصل دقيق بين مفهومين كثيرا ما يجري دمجهما في النقاش العمومي: حق الإنسان في التعبير ونشر المعلومات، والصفة القانونية للصحافي المهني.
فإذا كان تنظيم بطاقة الصحافة يؤدي عمليا إلى منع شخص من ممارسة حقه في التعبير أو نشر المعلومات، فإن الأمر يثير إشكالا دستوريا بالغ الخطورة. أما إذا كانت البطاقة أداة لإثبات صفة مهنية تترتب عنها حقوق والتزامات خاصة، فإن مجرد وجودها لا يكفي للقول إن المهنة أخضعت لنظام مماثل لنظام المحاماة أو الطب.
وتزداد الحاجة إلى هذا التفريق عندما نعلم أن المجلس الوطني للصحافة تعامل خلال سنوات اشتغاله مع آلاف الملفات المتعلقة بالبطاقة المهنية؛ فقد بلغ عدد البطاقات الصادرة سنة 2022، وفق معطيات المجلس، 3492 بطاقة، منها 392 بطاقة لأول مرة، بينما بلغ العدد سنة 2023 نحو 3433 بطاقة، منها 341 دخولا جديدا إلى المهنة.
هذه الأرقام لا تثبت نجاح النموذج ولا فشله، لكنها تكشف أن النقاش يحتاج إلى الانتقال من الحكم النظري إلى دراسة آليات الولوج نفسها: معايير القبول، حالات الرفض، تعليل القرارات، إمكانات الطعن، وضع الصحافة الإلكترونية، علاقة الصحافي بالمقاولة، والحد الفاصل بين إثبات الصفة المهنية وبين الترخيص بممارسة حرية التعبير.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى دراسة تجريبية لم تنجز، أو على الأقل لم تظهر في المواد المتاحة حول الدراسة، تستطيع أن تجيب بالأرقام عن سؤال جوهري: هل تحولت بطاقة الصحافة في الممارسة إلى أداة لحماية المهنة، أم إلى آلية للحد من الولوج إليها؟
التنظيم الذاتي لا يعيش خارج المجتمع
تطرح الدراسة كذلك مسألة طبيعة مجالس الصحافة في التجارب الدولية، وهي مقارنة مفيدة من حيث المبدأ، غير أن المقارنة العلمية لا تستقيم بمجرد وضع أسماء كندا وفرنسا وبلجيكا وأستراليا وتونس في صف واحد، لأن الاختلاف بين النماذج لا يتوقف عند طريقة اختيار الأعضاء.
المعيار الذي قدمه المجلس الوطني لحقوق الإنسان في مذكرته حول مشروع القانون 026.25 يبدو هنا أكثر قدرة على بناء مقارنة منهجية؛ فقد نظم قراءته للتجارب المقارنة حول خمسة مبادئ: حرية التعبير، والتمثيلية، والتعددية، والاستقلالية، والشفافية، وقدم أربعين توصية موضوعاتية وعشر توصيات عامة، من بينها تعزيز الاستقلال المؤسساتي والوظيفي، وتحقيق التوازن في تركيبة المجلس، والفصل بين التسيير والبت في قضايا الأخلاقيات، وتقليص التدخل التشريعي وتغليب منطق التنظيم الذاتي، إلى جانب دعم استقلالية المقاولات الصحفية.
وتقدم هذه المبادئ الخمسة أرضية أكثر نفعا من التصنيف الثنائي بين «هيئة مهنة حرة» و«مجلس صحافة»، لأنها تسمح بطرح أسئلة قابلة للقياس: من يمثل من؟ كيف تتوزع السلطة داخل المجلس؟ هل توجد تعددية فعلية؟ ما درجة استقلال القرار؟ كيف تمارس السلطة التأديبية؟ ما مستوى الشفافية؟ وما الضمانات المتاحة للصحافي والمقاولة والجمهور؟
وهنا تحديدا تظهر قيمة قرار المحكمة الدستورية؛ فقد أسقطت مقتضيات رأت أنها تمس التوازن في التمثيلية أو التعددية أو الحياد، ومنها المقتضى الذي كان يؤدي إلى اختلال التوازن بين فئة الصحافيين وفئة الناشرين، والمقتضى المتصل بإمكان هيمنة تنظيم مهني واحد على تمثيل الناشرين، فضلا عن مقتضى يرتبط بحياد مسطرة الاستئناف التأديبي.
إن دلالة ذلك تتجاوز المواد الملغاة ذاتها: المشكلة الدستورية ليست في كون المجلس منتخبا أو منتدبا فقط، وإنما في طبيعة السلطة التي تنتج عن طريقة الاختيار وفي مدى تعدديتها واستقلالها وحيادها.
من المجلس إلى المنظومة
ثمة جانب آخر يستحق أن يحتل موقعا مركزيا في تقييم الدراسة، ويتعلق بحدود تفسير أزمة الصحافة من خلال المجلس الوطني للصحافة وحده.
فالرأي الذي أعده المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بشأن مشروع القانون 026.25، بعد مقاربة تشاركية وجلسات إنصات مع الفاعلين، وضع الإصلاح في إطار أوسع، وأكد الحاجة إلى النظر في منظومة الصحافة والنشر في ترابط قوانينها ومؤسساتها.
وهذه النقطة أساسية؛ لأن التنظيم الذاتي لا يستطيع، مهما بلغت جودة هندسته، أن يعالج وحده هشاشة المقاولة الصحفية، أو ضعف الاستثمار، أو أوضاع الموارد البشرية، أو علاقة الصحافي بالمشغل، أو مشاكل الإشهار، أو التكوين المستمر، أو التحولات التي أحدثتها المنصات الرقمية.
لقد أظهر النقاش المهني المغربي منذ سنوات أن شروط العمل داخل المقاولات الصحفية جزء من شروط استقلال الصحافي، وأن الحكامة الداخلية والشفافية والاستقرار المهني والتكوين ترتبط بصورة مباشرة بجودة المنتوج الصحفي وبأخلاقيات المهنة. وهذا النقاش أقدم من مشروع القانون الحالي، وظهر في مواقف مهنية ونقابية متعددة منذ مرحلة صياغة الإطار الدستوري الجديد.
وعليه، فإن الإصلاح الذي يحصر نفسه في سؤال «من يختار أعضاء المجلس؟» يترك جانبا من السؤال الأكثر صعوبة: كيف يصبح الصحافي مستقلا داخل مؤسسة إعلامية مستقلة وقابلة للاستمرار اقتصاديا؟
الجمهور: الطرف الذي ينبغي أن يستعيد موقعه
تبدو الحاجة ملحة كذلك إلى إعادة الجمهور إلى مركز النقاش.
فإذا كان التنظيم الذاتي يهدف إلى صيانة أخلاقيات المهنة، فإن الأخلاق المهنية لا تمارس في فراغ مؤسساتي؛ إنها علاقة بين الصحافي ومؤسسته ومصادره وجمهوره والمجتمع الذي يتلقى المعلومة.
وقد ذهب يونس مجاهد نفسه، في مواقف سابقة، إلى اعتبار مجالس الصحافة مؤسسات ذات وظيفة مجتمعية تتجاوز مجرد الدفاع عن المصالح المهنية، وهي فكرة تفتح الباب أمام تصور أكثر اتساعا لدور المجلس. ويؤكد ذلك مقاله المنشور في دجنبر 2025 حين شدد على حضور المجتمع المدني والجمهور في عدد من التجارب الدولية.
لكن إذا كان الجمهور شريكا في فلسفة التنظيم الذاتي، فإن تمثيله ينبغي أن يخضع بدوره إلى قواعد واضحة تمنع تحويله إلى واجهة شكلية، كما ينبغي تحديد وظيفته بدقة: هل يشارك في وضع المعايير؟ هل يشارك في التقييم؟ هل يستقبل الشكايات؟ هل يساهم في التعيين؟ وهل يملك آليات مستقلة لمساءلة المجلس؟
هذه الأسئلة تفرض توسيع مفهوم التنظيم الذاتي من «تنظيم المهنيين لأنفسهم» إلى تنظيم مهني مستقل يعمل أمام المجتمع وتحت رقابة القانون والقضاء وضمير المهنة.
ما الذي ينبغي أن نختلف حوله؟
قد يكون من السهل الاختلاف مع دراسة مجاهد في توصيفها للمجلس، غير أن المصلحة العامة تقتضي تجنب بناء نقد يقوم على النفي المطلق.
لقد أصابت الدراسة في لفت الانتباه إلى التوتر القائم بين بعض الاختصاصات الإدارية وبعض وظائف التنظيم الأخلاقي، وأصابت في التحذير من أن تتحول بطاقة الصحافة إلى مدخل للهيمنة على الولوج إلى المهنة، كما أن مقارنتها بين نماذج دولية مختلفة تفتح سؤالا مشروعا حول إمكان تطوير النموذج المغربي.
لكن ما يحتاج إلى تدقيق هو الانتقال من هذه الملاحظات إلى اعتبار «الهجنة» في حد ذاتها أصل الخلل.
فالهجنة قد تكون عيبا إذا كانت تعني تضاربا في الاختصاصات، وتضاربا في المصالح، وغيابا للاستقلال، واضطرابا في المسؤولية. وقد تكون في المقابل صيغة قابلة للحياة إذا كانت الوظائف محددة، والسلطات موزعة، والتمثيلية متوازنة، والقرارات قابلة للطعن، والتأديب محكوما بضمانات المحاكمة العادلة، والمجلس مستقلا عن السلطة التنفيذية وعن المصالح الاقتصادية والمهنية الضيقة.
من هنا فإن السؤال الأكثر نفعا للمغرب لا ينبغي أن يكون: هل نختار التنظيم الذاتي أم نظام هيئات المهن الحرة؟
السؤال الأجدر هو: كيف نصمم تنظيما ذاتيا يضمن استقلال الصحافة دون أن يحول الحرية إلى حصانة مهنية، ويضمن أخلاقيات المهنة دون أن يحول التأديب إلى رقابة، ويحمي الجمهور دون أن يمنح أي سلطة حق التحكم في مضمون الصحافة؟
إيطاليا تلغراف وموقف المؤسسة من هذا النقاش
إن طرح هذه الأسئلة من طرف إيطاليا تلغراف لا ينبغي أن يفهم باعتباره دخولا في منافسة بين الهيئات المهنية أو اصطفافا مع هذا الطرف أو ذاك.
المؤسسة الإعلامية الجادة مطالبة، في مثل هذه اللحظات، بأن تدافع عن شروط وجود الصحافة نفسها: استقلال التحرير، حرية الوصول إلى المعلومة، حق الجمهور في المعرفة، كرامة الصحافي، استقرار المقاولة، احترام أخلاقيات المهنة، وشفافية المؤسسات التي تمارس باسم الصحافة سلطة معنوية على المجتمع.
ومن هذه الزاوية، فإن استقلال المجلس الوطني للصحافة لا يمكن أن يكون مطلبا مهنيا صرفا؛ إنه قضية تهم المجتمع كله. كما أن مساءلة المجلس لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لإضعاف التنظيم الذاتي، مثلما لا ينبغي أن تتحول الحاجة إلى تنظيم المهنة إلى مبرر لإنتاج هيئة مغلقة على نفسها أو قابلة للتأثير من خارجها.
إن إيطاليا تلغراف، وهي تتابع هذا النقاش من موقعها كمؤسسة إعلامية مغربية منفتحة على الفضاء الدولي، ترى أن قيمة الإصلاح ستقاس في النهاية بما سيضيفه إلى حرية الصحافة وجودتها وثقة الجمهور فيها، وليس بعدد المواد التي ستتغير في القانون، ولا بالجهة التي ستكسب معركة توزيع المقاعد.
نحو معيار جديد للإصلاح
لقد أتاح المسار الذي قطعه مشروع القانون 026.25، والملاحظات الصادرة عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ورأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ثم الرقابة الدستورية، فرصة ثمينة لإعادة بناء السؤال على أساس أكثر نضجا و براغماتية.
فالتنظيم الذاتي يحتاج إلى استقلال مؤسساتي، لكن الاستقلال يحتاج إلى تعددية حتى لا يتحول إلى احتكار؛ والتعددية تحتاج إلى تمثيلية عادلة؛ والتمثيلية تحتاج إلى شفافية في الاختيار؛ والسلطة التأديبية تحتاج إلى حياد ومساطر عادلة؛ وهذه المنظومة كلها تحتاج إلى رقابة قضائية مستقلة تضمن احترام القانون دون أن تتحول إلى رقابة على مضمون الصحافة.
وفي الاتجاه الآخر، تحتاج الصحافة إلى مقاولات مستقلة وقابلة للحياة، وإلى صحافيين يتمتعون بالحماية المهنية والاجتماعية، وإلى تكوين مستمر، وإلى إطار قانوني متناسق، وإلى حق فعلي في الوصول إلى المعلومات. وقد شدد المجلس الوطني لحقوق الإنسان على ضرورة مناقشة مشروع تنظيم المجلس بالتوازي مع إصلاح باقي القوانين المكونة لمدونة الصحافة والنشر، وهو استنتاج بالغ الأهمية في رسم الطريق المقبل.
وعند هذه النقطة يمكن أن تصبح دراسة يونس مجاهد مدخلا مفيدا إلى النقاش، بدل أن تكون نهايته؛ فهي تضع إصبعها على مسألة حقيقية، لكنها لا ينبغي أن تمنعنا من طرح مسائل أوسع تتعلق بالشرعية، والتمثيلية، والتعددية، والاستقلال، والاقتصاد الإعلامي، وحقوق الجمهور.
أما الإصلاح الذي يستحق أن يدافع عنه الصحافيون والحقوقيون والبرلمانيون والمجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية، فهو ذلك الذي يجعل حرية الصحافة أصلا، والتنظيم الذاتي وسيلة، والقانون ضمانة، والقضاء حارسا للمشروعية، والأخلاق المهنية التزاما، والجمهور صاحب الحق النهائي في إعلام حر ومسؤول.
وإذا كان المغرب قد دخل مرحلة جديدة في إعادة بناء مجلسه الوطني للصحافة، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في قدرة النص الجديد على إنتاج مجلس آخر، وإنما في قدرته على إنتاج ثقة جديدة: ثقة الصحافي في مؤسسته، وثقة المؤسسة في استقلالها، وثقة الجمهور في إعلامه، وثقة المجتمع في أن التنظيم الذاتي للصحافة قد أصبح فعلا إحدى ضمانات الحرية





