اشتد التنافس بين شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية والصينية في الشهور الأخيرة مع طرح العديد من النماذج الجديدة من كلا القطرين، وفي خضم هذا السباق، تخلفت الشركات الأوروبية عن المنافسة حتى أصبحت لا تذكر في الجملة ذاتها مع الشركات الأمريكية والصينية.
ورغم وجود شركات أوروبية مثل “ميسترال” الفرنسية واتباعها نهج نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة الوزن، إلا أنها لم تنجح في تصدر عناوين الأخبار أو حتى جذب المستخدمين إليها بشكل كبير على غرار الشركات الصينية والأمريكية.
ويحمل هذا التأخر في طياته مخاطر عدة على الدول الأوروبية حتى وإن لم تكن ظاهرة في الوقت الحالي، فهو يترك الشركات الأوروبية التي تتبنى الذكاء الاصطناعي تحت رحمة شركات أمريكا والصين، فضلا عن تمركز القوة التقنية بعيدا عن القارة.
ويثير هذا تساؤلا محوريا حول دور القارة العجوز في سباق الذكاء الاصطناعي وتأخرها في قطاع يتطور في كل ثانية تمر عليه، والأهم عن الأسباب التي جعلتها تعاني من هذا التأخر.
ويمكن القول بأن الأسباب التي أوصلت أوروبا إلى هذه النقطة متنوعة ومختلفة، ومن أبرزها:
فجوة في تبني التقنيات الجديدة
تحول الذكاء الاصطناعي إلى نقطة الحديث الأهم في كافة أرجاء العالم مع تسابق الشركات والمؤسسات الأمريكية والصينية لتبنيه ودمجه بشكل مباشر في أعمالها لدرجة إنفاق مئات المليارات وتسريح آلاف الموظفين لدمج الذكاء الاصطناعي في آليات العمل بشكل كامل.
كما زاد اعتماد شركات كبرى مثل “أنثروبيك” الأمريكية على نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بها “كلود” في كتابة الشيفرات البرمجية للبرمجيات التي تقدمها الشركة، ليصبح بذلك العضو الأحدث في فريق موظفي الشركة.
ويكشف البحث الذي نشره المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية في مارس/آذار 2026 عن الحجم الحقيقي لتبني الشركات الأمريكية لتقنيات الذكاء الاصطناعي مقارنة بمثيلاتها الأوروبية.
واعتمد البحث على منهجية فريدة مكونة من ست نقاط لتوثيق النتائج والتأكد من دقتها، وذلك رغم أنها لم تخضع لمراجعة الأقران ولا لمراجعة مجلس إدارة المكتب.
وتضمنت المنهجية مقابلة وجمع آراء العاملين في سبعة دول كبرى من بينها الولايات المتحدة وأكبر أربعة اقتصادات أوروبية وهم ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا ودولتان متقدمتان في مؤشر الاقتصاد والمجتمع الرقمي وهما السويد وهولندا.
وأجري البحث على جولتين، الأولى كانت في مايو/أيار والثانية في يونيو/حزيران ليصل إجمالي المشاركين في الجولتين معا نحو 55 ألف مستجيب من كل الدول، كما أن العينات تشمل العاملين بين 18 و67 عاما من كافة الدول، وجميعهم كانوا على رأس أعمالهم.
وأوضح البحث أن 43% من العاملين في الولايات المتحدة يستخدمون الذكاء الاصطناعي في وظائفهم مقارنة مع 32% في أوروبا، مع كون معدل التبني الأمريكي أعلى من نظيره الأوروبي بنسبة تتراوح بين 18% و68% بحسب الدولة.
وتستمر الاختلافات في معدل التبني بين الشركات الأمريكية ونظيرتها الأوروبية، إذ تستخدم 7% من الشركات الأمريكية الذكاء الاصطناعي في إنتاج السلع والخدمات مقابل 4% من شركات الاتحاد الأوروبي.
وتعكس الاختلافات في معدل التبني داخل الوظائف وجهة نظر الشارع الأوروبي بشكل عام حول التقنيات الجديدة وتحديدا الذكاء الاصطناعي، فضلا عن أنها توهم الشركات بغياب الطلب الحقيقي لمثل هذه التقنيات.
وتجدر الإشارة إلى أن أكبر عملاء الذكاء الاصطناعي والذين يساهمون في إنجاح الشركات التي تطوره هي الشركات الكبرى التي تسعى لتبنيه ودمجه في أنظمتها، وكان هذا واضحا في اختلاف الفلسفة بين “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي”، إذ قررت الأخيرة التركيز على الشركات بدلا من العملاء الأفراد.
ويعني هذا أن الشركات لن تسعى للاستثمار وتطوير تقنيات ذكاء الاصطناعي بشكل ينافس الشركات الأمريكية أو الصينية إذا لم تجد إقبالا واسعا من عملائها على هذه التقنيات، فهي في النهاية ستنفق المليارات لتطوير التقنية وتتوقع أن تجد عائدا على هذا الاستثمار.
وهم “ديب سيك” وسهولة التطوير
في مطلع عام 2025، كشفت الشركة الصينية “ديب سيك” عن نموذجها للذكاء الاصطناعي مفتوح الوزن بكلفة أقل كثيرا من نظائره الأمريكية مع آلية تطوير أكثر سهولة لا تعتمد على أحدث التقنيات الأمريكية.
وقبل تلك اللحظة، كانت معادلة الذكاء الاصطناعي محسومة لصالح الشركات الأمريكية، فهي كانت تملك وصولا إلى الشرائح والتقنيات اللازمة لتدريب النماذج، كما تملك وصولا سهلا إلى البيانات المستخدمة في التدريب، فضلا عن عدد كبير من العملاء الذين ينتظرونها بفارغ الصبر.
ولكن، جاء نموذج “ديب سيك” ليكسر هذا الاعتقاد، ويوهم الشركات المنافسة سواء كانت أوروبية أو صينية بأن تطوير النماذج لا يحتاج إلى أحدث التقنيات الأمريكية ومليارات الدولارات.
وعلى النقيض، يكشف تقرير مؤسسة “راند” التعليمية الأمريكية المنشور في يناير/كانون الثاني 2025 عقب طرح النموذج عن جوانب مهملة في الضجة العالمية المحيطة بنموذج “ديب سيك”.
ويؤكد التقرير أن عملية التطوير الأولية قد تكون ممكنة دون الحاجة إلى الشرائح الأمريكية الأحدث أو حتى بكلفة أقل من النماذج الأمريكية، وذلك لأن كلفة القوة الحوسبية تنخفض مع مرور الزمن.
ويطرح التقرير تساؤلا محوريا حول قدرة “ديب سيك” في التوسع وطرح المزيد من النماذج التي تتفوق على النموذج الأولي الذي طرحته الشركة في الوقت ذاته.
فبينما تقدم النماذج الأمريكية قفزات كبيرة بين كل جيل والذي يليه، فإن النماذج الصينية وحتى “ميسترال” الفرنسي لم يقدما القفزات ذاتها.
وبينما لا تتأثر الشركات الأوروبية بالقيود ذاتها التي تواجهها الشركات الصينية، إلا أن نجاح “ديب سيك” الأولي أوهم أوروبا بأنها لا تحتاج إلى الإسراع بتطوير نماذجها الخاصة، فالصين التي تواجه قيود صادرات في النهاية تمكنت من تطوير ديب سيك بسهولة.
بالطبع، اصطدمت الشركات الأوروبية بحائط الحقيقة وأن التحدي الحقيقي ليس في التطوير الأولي للنموذج، ولكن في تحديثه والعثور على استخدامات مبتكرة له.
تمويل أضعف نسبيا
ويمثل ضعف التمويل أحد أقوى الأسباب التي تجعل الشركات الأوروبية تتأخر مقارنة بنظيرتها الأمريكية تحديدا.
فبينما تتباهى شركات مثل “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي” من حصولها على تمويلات تتخطى مئات المليارات، فإن شركة “ميسترال” التي تعد الواجهة الأوروبية في تقنيات الذكاء الاصطناعي لم تستطع إلا جمع 1.7 مليار يورو من شركة “إيه إس إم إل” الهولندية لأشباه الموصلات.
ويقوض هذا الفارق في التمويل الشركات الأوروبية ويمنعها من تحقيق النجاحات الكبرى التي نراها في الشركات الأمريكية، إذ أن تطوير الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى إنفاق كبير سواء على القوة الحوسبية أو على المهارات العاملة فيه.
وتستطيع الشركات الصينية تفادي أزمة التمويل هذه عبر الدعم الحكومي الذي تحصل عليه الشركات، وذلك سواء كان إعفاءات ضريبية أو تسهيلات أخرى.
ضعف القوة الحوسبية
وتمثل القوة الحوسبية ومراكز البيانات عصب الحياة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، فبدون مراكز البيانات لن تستطيع تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أو حتى تشغيلها.
ولهذا، اشتعلت في الولايات المتحدة مؤخرا أزمة بسبب هذه المراكز، وذلك بين الجهات التنظيمية والشركات والمواطنين الذين قرروا التظاهر ضد التوسع في عمليات بناء مراكز الذكاء الاصطناعي.
ولا يتعلق بناء مراكز الذكاء الاصطناعي بتكلفة البناء والشرائح المستخدمة في المركز، ولكن تتسع أزمة المراكز لتشمل الطاقة التي يحتاجها المركز للعمل، فضلا عن جهود تبريد المراكز وإزاحة الحرارة الناتجة عنها.
وتكشف الدراسة التي أجرتها الباحثة ماريا نوفيتسكا التي تعمل في منظمة “إنترفيس” المستقلة والتي تتخذ من ألمانيا مقرا لها عن ضعف في قوة الحوسبة الأوروبية، فضلا عن وجود قيود طاقة متنوعة.
وترجح الدراسة أن السبب في هذا الضعف يعود إلى افتقار أوروبا إلى مختبرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة والمختصة التي يمكن استخدامها لتدريب النماذج وتشغيلها بأعلى المعايير.
نزيف العقول الأوروبية
وتعاني أوروبا بشكل واضح من نزيف مستمر لمهارات الذكاء الاصطناعي والعقول الفذة العاملة فيه، إذ ينتقل جزء كبير من مهندسي الذكاء الاصطناعي والباحثين فيه إلى الولايات المتحدة أو الصين أو حتى دول الخليج العربي للعمل بشركات هناك بحثا عن دخل أفضل وفق تقرير موقع “يورو نيوز” المنشور في مطلع هذا العام.
ويشير التقرير إلى أن رواتب مهندسي ومسؤولي الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة تزيد بنحو 70% عن متوسط الرواتب في أوروبا، ويدفع هذا كبار مهندسي الذكاء الاصطناعي للانتقال إلى الشركات الأمريكية بحثا عن الرواتب الأفضل.
هل تملك أوروبا ما تقدمه للذكاء الاصطناعي؟
يرى فيليب أغيون الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2025 أن الشركات الأوروبية لديها فرصة في تطوير نوع مختلف من الذكاء الاصطناعي مقارنة بمثيلاتها الصينية والأمريكية، وذلك ضمن حديثه مع موقع “دويتشه فيله” الإخباري الألماني.
ويستفيض قائلا بأن الشركات الأمريكية برعت في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية التوليدية، سواء كانت لتوليد النصوص أو مقاطع الفيديو أو حتى الصور، وفي المقابل كانت النماذج الصينية أبرع في أداء المهام اليومية والعمل بالمصانع والإنتاج وغيرها.
وتمتع الشركات الأوروبية بنقاط تفوق في مجالات لم تطرقها بعد الشركات الأمريكية والصينية مثل الصحة والأبحاث وحتى سيادة البيانات والقوانين التنظيمية، وهي مجالات يجب على هذه الشركات التركيز عليها.
كما يشير إلى القدرات الأوروبية المتطورة في التصنيع والعمل داخل المصانع، وهو ما يجعل شركاتها قادرة على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي بارعة في الصناعة وإدارة المصانع.
ويؤكد أغيون أن فرصة الشركات الأوروبية للتغلب على مثيلاتها الأمريكية تقبع في اختيار قطاع للذكاء الاصطناعي تبرع فيه أوروبا، بدلا من محاولة اللحاق بالشركات الأمريكية في سباق الذكاء الاصطناعي التوليدي.
المصدر: الجزيرة






