مغالطات رئيس المجلس العلمي لطانطان تعقيب على مقاله: متى تعفي الدولة “خطيب الجمعة” ؟
الدكتور محمد عوام
باحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة.
نشر رئيس المجلس العلمي لطانطان الأستاذ عبد الخالق حسين على صفحته الفيسبوكية يوم 26/08/2026 مقالا بعنوان: متى تعفي الدولة “خطيب الجمعة”؟ وقد تضمن نقدا حادا لمن يعترضون على إعفاء وتوقيف الخطباء، واتهمهم بالحماس والتهور، والافتقار إلى عدم فهم السياسة الدولية، وكيفية تدبير الشأن الديني،…إلى غير ذلك من الاتهامات التي يلوح من خلالها التوجه الذي يدافع عنه رئيس المجلس العلمي المذكور، المتماهي -طبعا- مع سياسة التوقيف المتعسفة، التي تفتقد إلى أي سند شرعي أو قانوني.
ولما كان مقال الأستاذ عبد الخالق حسين قد انطوى على مغالطات شنيعة، وطوامّ قبيحة، وملام غير سديدة، ارتأينا أن نتعقب هذه المغالطات بالبيان، ونكشف زوائفها، ونفند ادعاءاتها. وقبل الخوض في البيان، عنّ لي أن أقدم لتعقباتي هذه بمسألتين مهمتين:
الأولى: تحريم الظلم: من المقرر في الشريعة تحريم الظلم، وكلياتها ومقاصدها جاءت منتظمة لرد الظلم ومناصرة المظلومين، فالله عز وجل “لا يحب الظالمين” “ولا يهدي القوم الظالمين”، وللظالمين عذاب مهين، وعذاب أليم. فلشناعته حرمه الحق جل جلاله على نفسه، فقد أخرج الإمام مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا،..” الحديث.
ولا ريب أنه حين يعزل خطيب أو إمام بقرار غير معلل، فقط لكونه أمر بمعروف أو نهى عن منكر، أو ناصر حقا، ورد باطلا، فهذا ظلم بين، لا يختلف فيه اثنان، بل وجب على كافة المسلمين مناصرته ومآزرته، فهذا ليس من باب تصويره بطلا، كما يزعم رئيس المجلس العلمي لطانطان. وهنا أشير إلى أنه لا يوجد قانون واضح جدا، ببنوده وفصوله يتطرق إلى كيفية إعفاء الخطيب، ومتى يعفى؟ وما هي الإخلالات التي يترتب عنها هذا الإعفاء أو العزل، وكأنما السكوت عن ذلك، يعطي مساحة مريحة للمعفين المتنفذين، يفعلون ما يشاؤون، ويقررون ما يريدون؟
وهذا خلل بين. وليس هذا دفاعا عن الخطيب حينما يخل بأمانته العلمية ووظيفته، وإنما للوقوف في وجه الشطط في استعمال السلطة من غير اتباع المساطير المعمول بها في عزل أي موظف عن وظيفته، أو مكلف بمهمة. فنحن أمام فراغ تشريعي يتعلق بالأئمة والخطباء، وعموما القيمين الدينيين. علما أن هذه الوظائف الدينية عريقة في الأمة، كان من المفروض أن تقنن وتضبط، تفاديا للتعسفات والتسرعات التي يمكن أن تقع. وأنا أتحدث عن قانون، ولا أتحدث عن مذكرة توجيهية، أو توجيهات شفوية، ولا عن دليل…
وبما أن الإعفاء يتعلق بالخطيب عند ممارسته لمهمته الدينية، فلا جرم أن النظر في ذلك يقتضي تشكيل لجنة من علماء المجلس العلمي الأعلى، المشهود لهم بالنزاهة والاستقامة للنظر فيما يوجه إلى الخطيب من اتهامات، وتعقد لذلك جلسة بحضوره، حتى يتمكن من الدفاع عن نفسه، وعندها تتخذ القرارات المناسبة في حقه، فتكون وزارة الأوقاف قد أعطت للناس الأنموذج الفذ في العدل والإنصاف، وحينها لن تجد ممن تصفهم بالمتحمسين، أصحاب العاطفة الجياشة يخرجون لما ادعيته. ولكن مع الأسف يعزل الخطيب لمجرد وشاية مجهولة النسب، سليلة الرهب، لأنه الحيط القصير.
واللافت للنظر أن هذا التعسف في عزل الخطباء، الذي حطمت فيه وزارة التوفيق رقما غير مسبوق، مناقض تماما للتوجيهات والخطب الملكية المؤطرة للشأن الديني، إذ من مقاصدها كما نص الظهير الشريف رقم1.14.103 الصادر في 20 من رجب 1435ه/20 ماي 2014م في شأن إحداث معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات: “وعيا من جلالتنا الشريفة بنبل وشرف المهام الدينية في الإسلام، ودورها في الحفاظ على الهوية الدينية والوطنية، وترسيخ قيم الإسلام السمحة الداعية إلى الوسطية والاعتدال، وأثرها في بناء مجتمع متراص متضامن…” (انظر دليل الأئمة المرشدين والمرشدات).
وحق لنا أن نتساءل في كيفية حفظ الهوية الدينية والوطنية للمغاربة؟ أليس من حق الخطيب أن يقاوم الفساد الأخلاقي، ويتصدى للميوعة والعري، والمهرجانات الساقطة الفاحشة المتفحشة حفاظا للهوية الدينية للمغاربة؟ أليس من قيم الإسلام السمحة نشر الفضيلة، ومحاربة الرذيلة؟ وإلا فكيف يمكن بناء مجتمع متراص متضامن وعوامل الهدم تنخره وتمزقه، وتفتت نسيجه، وتقضي على مقوماته الوجودية والحضارية؟؟. وكما قال الشاعر:
متى يبلغ البنيان تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
ثم أليس في عمل الخطيب وغيره من المرشدين والمرشدات، حسب (الإطار الشرعي المرجعي لعمل الأئمة المرشدين والمرشدات)، ما يحفظ مقاصد الدين، وعلى رأسها حفظ كلياته وضرورياته: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال حين ينتقد الواقع محذرا ومرغبا ومرهبا الناس، حتى لا يقعوا في الموبقات والمخالفات؟
ويبدو أن هناك تناقضا بين ما تسطره أنامل وزارة الأوقاف، وتدعو إليه من حفظ الثوابت الدينية والوطنية للمغرب، وما تفعله حين تعزل خطيبا قام بدوره “في الحفاظ على الهوية الدينية والوطنية، وترسيخ قيم الإسلام السمحة الداعية إلى الوسطية والاعتدال”، هذا التناقض لا يجدون له أي تفسير سوى مراعاة الأحوال، التي تعني عند صناع القرار الديني وتدبير شأنه، التزام الخطيب الصمت، حتى لا يقع في التهور واستغلال عواطف الناس، حسب ادعاءات عبد الخالق حسين ومن على سبيله.
الثانية: تعطيل الشريعة: لقد كانت الشريعة الإسلامية في المغرب -كما في باقي بلدان العالم الإسلامي- هي مصدر جميع شؤون الدولة التشريعية والقضائية والمالية والعسكرية…فهي تشكل المرجعية العليا للدولة المغربية، وعلى ذلك تعَاقَب سلاطينها منذ نشأتها، غير أن هذا المسار التاريخي سيتعطل ويتغير تماما مع دخول الاحتلال الفرنسي، ونشأة الدولة الحديثة، حيث تم تعطيل الشريعة، وحلت محلها القوانين الوضعية الفرنسية، ولم يستثن من ذلك إلا مدونة الأحوال الشخصية.
ولعل أحسن من صور هذا الانتقال من الشريعة الإسلامية إلى العلمانية وتحكيم القوانين الفرنسية، هو العلامة علال الفاسي رحمه الله، باعتباره شاهدا على هذا التحول، وقد دون بنفسه شهادته على هذا العصر، كاشفا مقاصد السياسة الاستعمارية كما يسميها في كتابه النفيس (دفاع عن الشريعة). يقول رحمه الله: “لم يحصل أن فصل المسلمون عن أنفسهم في عصر من العصور كما فصلوا اليوم بسبب الاستعمار الأجنبي الذي هاجم ديارهم وأصابهم في ثرواتهم المادية، ولم يكتف بذلك حتى هاجمهم في لغاتهم وثقافتهم وصاغ منهم كائنات على صورته، تردد ما يقول، وتعمل بما يوحي به دون أن تدرك أنها تعمل ضد نفسها وتحارب كيانها…
لقد أصبح قسم من المسلمين –وجلهم من المسؤولين في الحكومات الإسلامية- يقومون مقام المستعمر في الذب عن الفكر الأجنبي المتمثل في القوانين المستحدثة، وكَيل الطعن المتوالي على الفقه الإسلامي ورجاله ودعاة العودة إليه. بينما يقف أنصار الشريعة وعلماؤها موقف المشدوه، ضعيف السلاح، لأنه لا سلطة لهم، ولا حول، ولا قوة يواجهون بها هذا الزحف الاستعماري المتستر باسم قادة المسلمين، الذين وصلوا للحكم باسم شعوبهم المسلمة ونضالها في سبيل الحرية.”
وفي المغرب لم يكن يخطر ببال أحد المناضلين الأولين، أن القانون الذي وضعه الفرنسيون لمقاصد استعمارية، سيصبح المتحكم في كل النشاط الإسلامي في المغرب. فبمجرد ما أعلن الاستقلال، وتكونت الحكومة الأولى، أصدر جلالة المرحوم محمد الخامس أمره بتأسيس لجنة لتدوين الفقه الإسلامي، استعدادا لجعله القانون الرسمي للدولة في جميع المحاكم.
ولم يكن يخطر ببال جلالته، ولا ببالنا نحن أعضاء لجنة التدوين، الذين شرفهم جلالته بتعيينهم لأداء هذه المهمة، أن عملنا سيقتصر على مجرد الأحوال الشخصية. والدليل على ذلك أننا اشتغلنا في قسم الأموال، بعد إنجازنا للأحوال. ولكن قسم التشريع بالكتابة العامة، الذي يشرف عليه لحد الآن فنيون فرنسيون، أوقف أمر البت فيه، وترتب على ذلك أن توقف سير التدوين في بقية أبواب الفقه الأخرى.
ثم حدث أن عرضنا على البرلمان المغربي وقت انعقاده، مشروع قانون بتوحيد المحاكم والقوانين في المغرب، صادق عليه النواب بالإجماع، وأصبح نافذ المفعول. فكان من المنتظر أن تؤسس لجان على الفور، لإعادة النظر في القوانين التي قرر تطبيقها على المغاربة، لنسخها بقوانين مغربية، تمثل مقتضيات الشريعة الإسلامية، طبقا لروح التشريع المغربي، وما فيه من اختيار، ومن عمل.
ولكن الأمر جرى بعكس هذا، فقد استقر الوضع على إبقاء دار لقمان على ما هي عليه…” (دفاع عن الشريعة 12).
والأستاذ عبد الخالق يريد أن يتجاهل هذا التحول، ويحملنا قسرا، ولو كنا كارهين، على المضي على نمط الدولة الحديثة، ولو كانت أمورها مخالفة للشريعة الإسلامية، وهو يعلم علم اليقين أن السياسات الدولية تديرها قوى الاستكبار العالمي المتنفذة، من داخل أروقة الأمم المتحدة. فلم يجد بدا من وصف المخالفين له بالافتقار العميق “لمعرفة معنى الدولة وصناعة السياسات الدولية وتداعياتها…”، مما يستبطن منحى خطير، ويروم إلى مسلك ذميم، وهو الإقرار بالقوانين المناهضة للشريعة، والتي لا يرتضيها أي مسلم حق، لأنها مبدئيا تصادم عقيدته وشريعته (ألا له الخلق والأمر).
هنا يأتي دور الخطيب الحكيم، في تنوير الخلق بحملهم على الحق، ومناهضة الفساد الذي شكله الاستبداد، طبعا بدون تجييش، ولا تهور، ولا مبالغات، ولكن كذلك من غير استكانة واستمراء لواقع بئيس، عششت فيه كل المخالفات والمفاسد الأخلاقية والاجتماعية وغيرها. ودور الخطيب في هذه الحال التوجيه والإرشاد، والتحذير والترغيب والترهيب، فهذا قصارى ما يملك.
نأتي بعد هذا البيان، للكشف عن بعض مغالطات رئيس المجلس العلمي وأستاذ الإسلاميات، وهي:
المغالطة الأولى: تفسيره لأولي الأمر في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ وقوله عز وجل: ﴿وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ﴾ [النساء: 83]، على حد قوله: “الذين هم اليوم مراكز البحوث و الرصد و المستندات و التفكير الاستراتيجي و التوقعات المستقبلية” وهذا تفسير جديد لأولي الأمر، مخالف لما درج عليه سلف هذه الأمة، من كون (أولي الأمر) هم العلماء أو الولاة الحكام. أما الإمام مالك فقد نقل عنه ابن العربي في (أحكام القرآن) حصره أولي الأمر في العلماء. وقد يكون له وجه من الصواب، ذلك أن الحكام والولاة كانوا من أهل العلم، حيث اشترطوا في الخليفة ومن ينوب عنه أن يكون من أهل الاجتهاد والعلم، وكتب السياسة الشرعية طافحة بذلك. ولئن ألفينا بعض الترجيحات، كما هو الشأن عند الطبري، قد ترجح كونهم (الأمراء والولاة)، فالمقصود منهم أهل العلم الذين تصدروا الولاية، إذ لا ولاية بلا علم، فلا جرم أنه شرط أساس في أي ولاية. (انظر جامع البيان).
وأما الزمخشري فزاد قيدا آخر، وهم أمراء الحق، لا أمراء الجور، أو الذين يسميهم باللصوص المتغلبة، قال رحمه الله في بيان هذا المعنى: “لما أمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل، أمر الناس بأن يطيعوهم وينزلوا على قضاياهم. والمراد بأولي الأمر منكم: أمراء الحق، لأن أمراء الجور، الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل، واختيار الحق، والأمر بهما، والنهي عن أضدادهما، كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان”. (الكشاف 1/524)
على أن الأستاذ عبد الخالق يشيح بوجهه عن هذا التفسير، ليحمل الآية بكل اعتساف على معنى غريب وهو (مراكز البحوث والرصد والمستندات والتفكير الاستراتيجي والتوقعات المستقبلية…) وهذه مغالطة مكشوفة، وسقطة لائحة بينة، تقضي بنسخ ومسخ مكانة العلماء، وإبطال لأي دور لهم. ونحن لا ننكر لما لهذه المراكز من دور في التتبع والتقصي وجمع المعلومات وتحليلها، فهي مراكز وسيلية، فلا تمثل أولي الأمر وهم العلماء، الذين يُرجع إليهم في فصل الخطاب. ولو وسعنا معنى أولي الأمر، على ما يذهب إليه عبد الخالق ويرتضيه، فسوف نجعل من كافة الأجهزة الأمنية والمخابرات من أولي الأمر، وكفى بهذا تمييعا للمفاهيم والمصطلحات الشرعية، وتعويمها في مفاهيم هجينة ودخيلة، وأعمال العقلاء منزهة عن العبث.
نعم ولي الأمر يجب في حقه الشورى، فلا يقبل على أمر حتى يستشير أهله، وهذا ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المعصوم المسدد بالوحي. فمن ثمة ذهب المالكية إلى القول بوجوب الشورى وتعميمها في المجتمع، وأن الحاكم الذي لا يستشير وجب عزله، وفي بيان ذلك يقول ابن خويز منداد: “واجب على الولاة المشاورة فيشاورون العلماء فيما يشكل من أمور الدين، ويشاورون الجيش فيما يتعلق بالحرب، ويشاورون الناس فيما يتعلق بمصالحهم، ويشاورون وجوه الكتاب والعمال والوزراء فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها” (التحرير والتنوير 4/148).
وقال ابن عطية الأندلسي: “الشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، وهذا ما لا اختلاف فيه” (المحرر الوجيز 3/280).
المغالطة الثانية: سوء إعمال قاعدة اعتبار المآل. الاستدلال بالقواعد الأصولية والمقاصدية أمر مهم جدا، لكن المشكلة عند الأستاذ عبد الخالق حين رام الاستنجاد بقاعدة اعتبار المآلات، فعادت عليه بنقيض قصده. وبيان ذلك أن اعتبار المآلات يقتضي التحذير من المفاسد، التي تنتشر وتستشري بين العباد، تحذيرا من عواقبها الوخيمة، ومآلاتها المدمرة، فاعتبار المآلات هاهنا يقتضي الإعمال لا الإهمال، بمعنى أن الخطيب الذي أعمل القاعدة ولم يهملها قد صنع معروفا، وهو منسجم مع قواعد الشريعة وأصولها الداعية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي تشهد له عشرات الآيات والأحاديث. فهو يحذر من المفاسد والموبقات، وينهى عن الفساد والمنكرات.
لكن رئيس المجلس العلمي لطنطان يعتبر ذلك تهورا، وافتقارا لمعنى الدولة وصناعة السياسات الدولية، وهاهنا يعود على استدلاله بقاعدة اعتبار المآل بالإبطال والنقض، لأن الخطيب حين يرصد الأفعال، ويرى القبيح منها يفضي إلى تدمير المجتمع، وقد ينجم عنها اضطرابات تنغص على الدولة والمجتمع استقراره، وجب في حقه البيان والتحذير من سوء عاقبة الأفعال المشينة والخطيرة. غير أن عبد الخالق فضل أن يقتفي قاعدة (مراعاة الأحوال بإلجام الخطيب عن الكلام) التي جادت بها قريحة وسياسة وزير الأوقاف أحمد التوفيق، التي ما فتئ أن رددها مرارا، وبخاصة في إحدى دورات المجلس العلمي الأعلى. تقضي إلجام الخطيب عن الكلام، والسماح لكل من هب وذب أن يتكلم، ويخاطب الشباب بكل سوء، ويدعوهم علانية وجهارا إلى اقتراف الموبقات، والوقوع في الفواحش والمنكرات، كما هو شأن طوطو الذي كان سبب إيقاف الخطيب الدكتور مصطفى قرطاح، لمجرد تدوينة كتبها عنه على صفحته الفيس، ولم يتحدث عنه في خطبة. ولا أحدا أوقف المدعو طوطو، الذي يمسك قنينة خمر، وسجارة مخدرات، ولا أحد حاسب المغنية الداعية إلى (الزهو ولا زواج القهرة)، فهل هذا هو معنى “إدارة شؤون الدين والتدين في الدولة الحديثة” كما يريد رئيس المجلس العلمي لطانطان أن يفهمنا؟ وهل هذا هو معنى السياسة الدولية وتداعياتها؟
فقطعا هذا مفهوم كنسي لا صلة له بالإسلام، وهذه علمنة للشأن الديني، وهي تعتمد على سياسة تجفيف المنابر من كل خطاب يتصدى للمنكرات، ولو هددت أسس الدولة المغربية المبنية على الإسلام، وهددت بانمحاء ثوابتها، التي من غير شك، ساهم عبد الخالق حسين في تثبيتها، والتمسك بها، والدعوة إليها. وهذه مفارقة عجيبة، وتركيبة فريدة، تعتمد على ازدواجية الخطاب في تناول الشأن الديني، وانشطارية في تنزيل المعاني الشرعية، تمييعا وتقويضا وانحسارا.
هنا يأتي السؤال المهم الذي تحاشى عبد الخالق الخوض فيه، تحليلا وتفكيكا، وقفز عليه قفزة الكنغر، وهو كيف تحفظ مؤسسة “إمارة المؤمنين” المجال الديني وتدبير أمور الإسلام مع التناغم التام مع قضايا السياسة الكبرى للدولة؟
نعم عبد الخالق حسين، أجاب جوابا بعيدا عن الشريعة أصولا ومقاصد، فقد جعل ابتداء مدار تدبير الشأن الديني تابعا “لأوركسترا الدولة” وهو على حد تعبيره “مؤسسة دينية تربوية توجيهية ، تحوطه هالة قدسية و رمزية ؛ و المنبر مستنير بالمؤسسة الدينية التابعة لـ “أوركسترا الدولة”” وهذا يعني أن يصبح الخطيب متمثلا لسياسة الدولة، ومدافعا عنها، فإذا ما تعارضت هذه السياسة مع الشأن الديني، وبكل وضوح وبيان، إذا تعارضت مع الإسلام نفسه، فعلى الخطيب أن يلزم الصمت، حتى لا يخرج عن التناغم التام مع بقية المؤسسات بقيادة “المايسترو” الحكيم” كما يقول.
فإذا كانت سياسة الدولة إغراق الشعب في المهرجانات الساقطة، على طول البلاد وعرضها، شمالها وجنوبها، مع ما تعرفه شوارعنا وشواطئنا من انحلال وتفسخ، ومدننا من حانات وكازنوهات ودور للقمار وغير ذلك مما يعلمه الجميع، ناهيك عن الغطرسة العلمانية ونفوذ الفاسدين…مع كل هذا فإن الخطيب لا ينبغي له “أن يعزف على هواه، خارج النوتة المرسومة”، التي يديرها “الماسترو الحكيم” كما يقرر ذلك رئيس المجلس العلمي لطانطان، وهذه طنطنة وشنشنة نعرفها من أخزم، منذ عقود، لكن هذه المرة، جاء من داخل المؤسسة الدينية، من يلتمس لها “التأصيل” بناء على قاعدة “اعتبار المآلات” ومراعاة “مقاصد الشريعة” و”مراعاة الأحوال”، ليصدر بها الوهم، وهْم المحافظة على الدولة وثوابتها واستقرارها، لكن عن أي استقرار يتحدث عنه عبد الخالق، في ظل استئساد الفساد، وهيمنة الاستبداد، وإغراق الدولة في الميوعة والرعونات؟ هذا ما لا جواب عنده، ولا قبل له بذلك، وهو الذي مارس الدعوة منذ كان تلميذا، ثم مناضلا إسلاميا في الجامعة، ثم أستاذا للإسلاميات لأكثر من ثلاثين سنة؟ فكأني به لم يستفد من هذه المدة شيئا، سوى ما استفاده من منصبه الحالي، حتى أصبح منافحا وبوقا لسياسة وزارة الأوقاف ومنهجها في توقيف الخطباء.
المغالطة الثالثة: قوله بعقل الدولة المطلق، المستوعب لجميع العقول. وعن ذلك يحدثنا بقوله: “إن عقل الدولة هو جماع عقول الصحفيين ، وعقول منظري السياسة، و عقول منظري الأديان، و عقول منظري القضايا الأمنية، و عقول منظري الاقتصاد، وعقول مهندسي السياسات المستقبلية، مع استحضار المستوى العالي و العالمي لكل هؤلاء المنظرين بالنظر لشواهدهم و تنوع لغاتهم، ناهيك عن علاقاتهم الدولية المتشابكة، وسرعة حصولهم على المعلومات المحينة في كل وقت..”
يبدو أن عبد الخالق حسين لا يفهم معنى الدولة، ولا معنى حرية التعبير، ولا استقلالية ومسؤولية الخطيب أو العالم الشرعية، التي سوف يحاسب عنها يوم القيامة، فليس عندنا في الإسلام، ولا حتى في مفهوم الدولة الحديثة، الدولة ذات العقل المطلق، تملك وحدها الحقيقة، كما ليس لدينا حاكم ملهم، وجميع قراراته سديدة ورشيدة وحكيمة. فهذا لم يحصل حتى للنبي صلى الله عليه وسلم في تدبير شأن دولته، فلقد راجعه أصحابه رضي الله عنهم، بل جاء الوحي مصوبا ومسددا له، مثل ما وقع في أسرى بدر، وراجعه الحباب المنذر رضي الله عنه في ماء بدر. فمفهوم عقل الدولة الجامع لكافة العقول، لا إخاله إلا مفهوما فرعونيا استبداديا، المبني على قاعدة ﴿لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾، فلا صلة لهذا المسلك بالإسلام ولا بأسس الدولة الحديثة. فالإسلام أبطله بالشورى وحرية اختيار الإمام.
ولو كانت الدول تملك الحقيقة المطلقة، والعقل الجامع، أو العقل المطلق، فأي دور يبقى للمعارضة؟
وهذه المغالطة الكبيرة التي يسوق لها عبد الخالق، يبني عليها ادعاءه أن الخطيب يناقش ملفات على المنبر، وهو تشغيب وتمويه لا يليق بأولي الألباب، لا سيما عندما يكون صادرا عن مثله، مسؤول عن الشأن الديني. فهذا لم يحصل في يوم من الأيام، ولا سمعنا أن الخطيب الفلاني ناقش ملفا سياسيا، أو قضية اقتصادية أو اجتماعية، وإنما قصارى ما يفعل أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويرشد الناس إلى الخير. والذي جرى عليه كافة الخطباء أنهم لا يناقشون القضايا السياسية أو غيرها، فيبدون آراءهم، ووجهة نظرهم، وإنما كان بعضهم يتصدى للانحرافات التي تمس الكيان الجمعي للشعب المغربي، وتخالف صراحة الشريعة، أو يعبرون عن تضامنهم مع قضايا أمتهم، مثل تضامنهم مع إخوانهم الفلسطينيين، أو غيرهم.
وهنا يمكن أن نسأل عبد الخالق بصفته رئيسا للمجلس العلمي لطانطان، وباعتبار تجربته وخبرته واطلاعه على كواليس وظيفته، هل هناك سبب شرعي معقول اقتضى توقيف الخطباء الذين تم توقيفهم؟ هل أخلوا برسالة التبليغ؟ هل تسببوا في الإخلال بالنظام العام؟ هل خالفوا دليل الخطباء؟ وأنا أستحضر الآن منهم العشرات منهم الأساتذة: مصطفى قرطاح، وعبد الحميد الطالب، وخالد تواج، وعبد السلام الكتاني، نور الدين العبدلاوي، وسعيد الطاهري، وقبلهم محمد أبياض، وغيرهم كثير.
فهل العقل الجامع للعقول يقتضي أن لا نعثر على أي تعليل لقرار توقيفهم؟ مما يؤكد التعسف والشطط في عزلهم. ثم العجيب أن يصبح الخطيب عند عبد الخالق محل اتهام “بمنح الخصوم مادة للاستغلال، ويخلق تشويشا مجتمعيا يزور الحقائق في عقول الناس” وهذا بهتان عظيم، ليس عليه دليل قويم. ومن هؤلاء الخصوم؟ بل التشويش الحقيقي على الناس، وزعزعة عقيدتهم، والنيل من إسلامهم، هو ما يفعله خصوم الإسلام من ملاحدة وعلمانيين ومطبعين متصهينين، الذين يتحاشى رئيس المجلس العلمي حسين وأمثاله الرد عليهم، والاشتباك معهم، ولو نالوا من رمز الدولة الملك، ووصفوه ادعاء وزورا بأنه ليس من آل البيت، وطعنوا في الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ونسبوه إلى الصهينة، ونالوا من الأحكام الشرعية القطعية، وازدروها، وتنقصوها، مثل الخرجات التي كان يخرج بها وزير العدل وهبي على الشعب، ودعوته إلى العلاقات الرضائية، وانتقاصه من الحديث النبوي، وسخريته من بعض الأحكام الشرعية…إلخ.
فحينها كان عبد الخالق، ومن هم على شاكلته، يدسون رؤوسهم في الرمال مثل النعامة، ولا يتكلمون، بحجة عدم التشويش ومراعاة الأحوال، ولعل الأصح مراعاة المناصب والأموال، ولتعصف بالشريعة والثوابت كل العواصف الهوجاء، وليحرقها الحر الممض، ولبيق الخطيب منسجما مع “النوتة الرسمية”، حتى لا يخل بلحن المعزوفة التابعة لأوركسترا الدولة، التي يديرها الماسترو الحكيم، حسب زعم عبد الخالق حسين. ولعمري هذه أكبر مغالطة تسوق لتقويض الشأن الديني، وإدخاله في ثلاجة البرودة، حتى يأتي عليه النسيان والإهمال.
علما أن هذه السياسة المتبعة في تدبير الشأن الديني، الرامية إلى تفريغ الخطبة من كل مضامينها النبيلة، والتحجير على الخطيب، وتحويله من فاعل في مجال الشأن الديني، بكل حرية ومسؤولية، إلى مجرد ساعي بريد ينقل ويقرأ خطبة، لا ندري إلى يومنا هذا من يكتبها، ومن يخرجها للناس إخراجا، خالية من كل معنى ومبنى في الجملة. مع الأسف نعيش اليوم احتضار المنبر، ونشهد وفاته، فالكل في هذا البلد يتكلم بحرية، إلا الخطيب فينبغي أن يلجم، بلجام من حديد.
ولئن كانت الخطابات الملكية تؤكد على المحافظة على الهوية الدينية والوطنية، فلا جرم أننا هنا نسأل رئيس المجلس العلمي عبد الخالق هل حين يؤدي الخطيب وظيفته وآمانته بما عهدت إليه إمارة المؤمنين على حد تعبيره يكون مشوشا، وهو يرى ويعيش الفساد الذي ضرب أطنابه الأرض، وبلغ عنان السماء أم أن المنبر تحول بهذا المفهوم الذي تروج له إلى مجرد التحويم حول المسائل الروحية وبعض الأخلاقية، تفهما لسياسة الدولة الحديثة؟
أنا بصراحة لم أفهم هذا التوجه المضطرب، الذي يقوض دور الخطيب، ويشدد الخناق عليه، غير أنه يمكن فهمه في سياق دراسة سوسيولوجية دينية، فما هو إلا امتداد للسياسة الدينية لفرنسا في المغرب، التي كانت ترى في القرويين البيت المظلم. ويمكن مراجعة الدراسة التي أنجزها الدكتور سعيد لحسايني في هذا المجال، والموسومة بـ(السياسة الدينية للحماية الفرنسية بالمغرب).
هذه بعض المغالطات التي تضمنتها مقالة- رئيس المجلس العلمي لطانطان الأستاذ عبد الخالق حسين، وكم وددت لو أنه ناقش بموضوعية وعلمية ومسؤولية، ولكنه اختار أن يمتح من قاموس وزير الأوقاف الذي أبانت سياسته عن فشل ذريع في تدبير الشأن الديني، بما يخدم الشرع والوطن، مما يجعلنا نشكك في مصداقية وصدقية خوض الكلام في قضية إعفاء الوزارة للخطباء، وإنما لكل امرئ ما نوى. وكما قال ابن عاشر رحمه الله:
واعلم بأن أصل ذي الآفات حب الرياسة وطرح الآتي
رأس الخطايا هو حب العاجلة ليس الدوا إلا في الاضطرار له
والحمد لله رب العالمين





