‏حين يتقاعد الكرسي ولا تتقاعد الخصومة والعداء للآخرين: مفارقة العمر الثالث والاستمرار في سقي شجرة الزَّقُّوم..!

 

 

 

*الدكتور شَنْفَار عَبْدَ اللَّه

 

‏ قادني القدر لحضور مناسبة جنازة وفاة شخص رحمه الله؛ ومن الأمور المؤلمة حقًا التي رصدتها أثناء تشييع الجنازة وبخيمة تقديم العزاء؛ أن يُحال شخصٌ ما على التقاعد؛ وبدل أن يستقبل عمره الثالث بما يليق به من راحة وسكينة وطمأنينة، ويترك وراءه صخب الوظيفة وحساباتها الصغيرة، يكتشف فجأة أن لديه مشروعًا جديدًا لا يقبل التقاعد أبداً، وهو: الاستمرار في سِقاية شجرة الزَّقُّوم الذي كان بدأه في مسلسل ومسار ومشواره الإداري..!
‏ وهكذا يبدأ الرجل مرحلةً مهنية جديدة بلا مكتب ولا راتب ولا توقيع حضور؛ يتنقل من إقليم إلى آخر، ومن مجلس إلى آخر، يحمل في حقيبته أخبار الناس وأعراضهم، ويواصل أكل لحوم زملاء اشتغل معهم أو سمع عنهم فقط. لا يهمه أن يكون الخبر صحيحًا أو ناقصًا أو منقولًا عن ناقلٍ عن ناقل؛ المهم أن تصل النميمة إلى مقصدها وأن تبقى الشجرة خضراء وارفة الظلال!
‏ والمفارقة أن بعض المتقاعدين يتعاملون مع التقاعد وكأنه ترقية إلى منصب مفتش عام في شؤون الآخرين. يتفرغ لما لم يكن لديه وقتٌ كافٍ لممارسته أثناء العمل:
‏ من قال ماذا؟ ومن فعل ماذا؟ ومن ترقّى؟ ومن لم يُرقَّ؟ ومن التقى بمن؟ ومن اختلف مع من؟
‏ ثم يقدّم تقريره الشفهي إلى كل من صادفه يشرح فيه ماضي فلان وعلان وعمر وزيد… وكأنه لا يزال يؤدي واجبًا إداريًا بالغ الأهمية، مع فارق بسيط: أن ملفاته هذه المرّة عنوانها: هو أعراض الناس.
‏ ولو كان العمر الثالث يهب الإنسان شيئًا من الحكمة لما احتاج المرء، بعد عقود من التجربة، إلى أن يجعل بقية أيامه موسمًا مفتوحًا للهمز واللمز والنميمة.
‏ لكن بعضهم يبدو أنه لم يتقاعد من الوظيفة؛ لقد تقاعد فقط من المكتب، أمّا العداء والخصومة فقد حصلت منه على تمديدٍ غير محدود..!
‏ وفي مثل هذه النماذج يستحضر المرء قوله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾. وما أشد المفارقة حين يبلغ الإنسان من العمر ما يجعله أقرب إلى مراجعة الحساب، ثم يختار بدل ذلك أن يفتح حساباتٍ جديدة مع الناس.
‏ كان يمكن أن يكون التقاعد فسحةً للتأمل والعبادة والقراءة وصلة الرحم ومصالحة النفس واسترداد ما سرقته الوظيفة من العمر؛ فإذا به عند بعضهم يتحول إلى دوامٍ كامل بلا عطلة: رحلات ميدانيّة بين المجالس واجتماعات غير رسمية واستغلال مناسبات الجنائز وتقديم العزاء وتشييع الموتى وإعداد تقارير سريّة ومحاضرات شفويّة وشكايات لا تنتهي… وكل ذلك ابتغاء مرضاة شَجَرَتَ الزَّقُّومِ التي خصها الله تعالى طعام الْأَثِيم..!
‏ وما يبعث على الشفقة أكثر من السخريّة أن الرجل قد يكون قضى أربعين سنة في العمل وهو يتحدث عن الترقية والمصلحة والمسؤولية، ثم يقضي ما تبقى من عمره يتحدث عن الناس. كأن كل ما تغيّر هو أن المصلحة أصبحت بلا إدارة والوشاية أصبحت بلا أختام والخصومة أصبحت بلا توقيت إداري.
‏ التقاعد الحقيقي ليس أن تترك الكرسي؛ بل أن تترك معه ما كان يستنزفك من صراعاته وأحقاده وحساباته. أمّا أن يغادر الإنسان الوظيفة ويصطحب معها خصوماتها في حقيبة العمر الثالث، فذلك ليس تقاعدًا؛ بل تمديدٌ للخدمة في إدارة لا تعلن عن نفسها، ومهمتها الوحيدة أن تظل شجرة الزَّقُّوم مسقيّةً إلى آخر قطرة من العمر.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...