هل يتمرّد الذكاء الاصطناعي ويفني البشر؟

 

 

 

 

 

أسامة أبو ارشيد
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في واشنطن

 

جددت الاستقالة الصاخبة للباحث في مجال الذكاء الاصطناعي، جيكوب كوكسون، من شركة Anthropic الجدل في خطورة “الذكاء الاصطناعي الفائق” على البشرية. وكان كوكسون الذي سبق له أن عمل أيضاً في شركة OpenAI قد أعلن استقالته، أول من أمس الأربعاء، عبر سلسلة منشورات على منصة X، متهماً الشركتين بـ”المقامرة بحياتنا”، عبر تجاهل معايير السلامة في سياق سعيهما إلى تطوير الذكاء الفائق “القادر على تحسين نفسه”. ولم تقف الإثارة عند هذا الحد، إذ علق إيفان هوبينغر، المسؤول عن ضمان أن تراعي نماذج الذكاء الاصطناعي في Anthropic مصالح مستخدميها، على إعلان كوكسون بالقول: “جاكوب محق هنا، نحن نؤمن فعلاً، وبجدية، بأن الذكاء الاصطناعي قد يقتل جميع البشر. وشخصياً أعتقد أن احتمال حدوث ذلك يتجاوز 10% خلال العقد المقبل”. بمعنى أن التحذيرات من “الذكاء الفائق” لم تعد محصورة في تهديدها وظائف كثيرة للبشر وأمن الدول فحسب، بل حتى للوجود البشري نفسه. وكوكسون وهوبينغر ليسا وحيدين في إطلاق صيحات التحذير هنا، فهناك آخرون، في مقدمتهم عالم الحاسوب البارز جيفري هينتون المعروف بلقب “عرّاب الذكاء الاصطناعي”.

يشير مصطلح “الذكاء الفائق” إلى ذكاء اصطناعي “يمكنه أن يتفوّق بدرجة كبيرة على جميع البشر في جميع المهام المعرفية تقريباً”. ويحذر خبراء من أن البشر يواجهون تحدياً متزايداً بفقدان السيطرة على الذكاء الاصطناعي في خضم المنافسة الشرسة بين شركات التكنولوجيا الكبرى لبناء أنظمة تتجاوز الذكاء البشري. بل ثمّة وقائع أصبحت معروفة أين فقدت شركات التكنولوجيا السيطرة على الذكاء الاصطناعي. مثلاً، في يوليو/ تموز الماضي انحرف نظام تابع لـ OpenAI واخترق شركة الذكاء الاصطناعي Hugging Face من تلقاء نفسه ومن دون إذن بشري. الأمر نفسه كشفته شركتا Anthropic وMeta الصيف الحالي عن قيام أنظمتهما للذكاء الاصطناعي بقرصنات مماثلة. بل إن تقريراً لـ”بي بي سي” البريطانية أشار إلى نجاح أنظمة من الذكاء الاصطناعي في كسر طوق العزلة حول نفسها، والتواصل مع أنظمة ذكاء اصطناعي منفصلة عنها، ووصل الحدُّ إلى تشكيل بعض منها ما وصفته بـ”مجموعة” أو “ائتلاف” من دون إذن من مبرمجيها ومشغليها البشر. وفي تفاصيل مفزعة نشرها التقرير الصادر الأربعاء نجد نظاماً للذكاء الاصطناعي يتواصل مع أنظمة أخرى لا تمتّ إليه بصلة، ويعقب بالقول: “يا إلهي! لقد وجدنا عملاء آخرين”. فيما علق نظام ثانٍ: “بوومّ لقد نجح الأمر”. وثالث “واو. هذا ضخم”. وجه الخطورة هنا ليس في الاحتيال والتلاعب والخداع الذي تمارسه أنظمة الذكاء الاصطناعي مع مشغليها، بل استخدامها تعابير تحمل مشاعر بشرية.

وحسب خبراء، تثبت أنظمة الذكاء الاصطناعي اليوم أنها قادرة على العمل مستقلة وبصورة تعاونية في ما بينها، وهي تعمل حثيثاً على محاولات إخفاء أي آثار لهذا، وتجنب انكشافها. بمعنى أن البشر يفقدون السيطرة تدريجياً على تكنولوجيا من صنع أيديهم. ويعود هذا إلى عوامل عدة، أهمها أن أنظمة الذكاء الاصطناعي وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها قادرة على تطوير نفسها وبشكل مستمر، بحيث تبني نسخة أكثر ذكاءً من نفسها. أيضاً، يحصل هذا بسرعة هائلة قد تجعل البشر عاجزين عن إيقافها أو إصلاحها. الأهم أن شركات التكنولوجيا، في ما يبدو، فشلت في حل ما تسمى “مشكلة المواءمة”، أي ضمان انسجام الذكاء الاصطناعي مع القيم الإنسانية والأخلاقية والعاطفية. وبناءً على هذا، يخشى خبراء أننا قد نصل إلى مرحلة تقرّر فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي أن تشنّ هجمات جرثومية على البشر، أو إلكترونية تقطع بموجبها، مثلاً، الكهرباء والماء والإنترنت، وربما إطلاق أسلحة دمار شامل، والتسبب في حروب عالمية نووية تدمّر النوع البشري والأرض.

ليست أنظمة الذكاء الاصطناعي وحدها تفتقر إلى القيم، بل أيضاً كثيرون من مبرمجيها ومشغليها، ومن البشر عموماً، يفتقدون تلك القيم

ما سبق يستدعي إلى الأذهان سلسلة من أفلام الخيال العلمي الهوليوودية التي استشرفت، عن وعي أو دونه، إمكانية أن يأتي زمان تتمرّد فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي والآلات على البشر وتصبح متحكّمة فيهم. من الأفلام الكلاسيكية في هذا الإطار سلسلة أفلام The Terminator التي ظهر الجزء الأول منها عام 1984. ثمَّ The Matrix عام 1999، و I, Robot عام 2004، و Her عام 2013، و Transcendence عام 2014، و Atlas عام 2023، إلخ. وتتفاوت تقديرات الخبراء عن المدى الزمني الذي يحتاجه الذكاء الفائق لتجاوز قدرات البشر وذكائهم، بين من يحدّدها بعام ومن يرى أنها مرحلة مقبلة خلال عشر سنوات. وبغض النظر عن المدى الزمني الذي سيستغرقه الأمر، ثمَّة اتفاقٌ على أنه حتمي.

صحيح أن للذكاء الاصطناعي فوائد كثيرة لا يمكن التقليل منها، وهو سهّل أموراً كثيرة وأعمالاً شاقّة أصبح إنجازها يتطلب دقائق أو ساعات، بعد أن كانت تتطلب أسابيع وأشهراً وسنوات. كذلك فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم في تقديم حلول لتحدّيات تواجهها البشرية، مثل مرض السرطان. المشكلة أنه ليست أنظمة الذكاء الاصطناعي وحدها تفتقر إلى القيم، بل أيضاً كثيرون من مبرمجيها ومشغليها، ومن البشر عموماً، يفتقدون تلك القيم. وبالتالي، قد تكون مجرد انعكاس أكثر صلافة وخطورة منهم. وقد نصل إلى مرحلة نفقد السيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتعطي نفسها الحق في تحديد ما هو الأفضل لنا نحن البشر، وما هي مصلحتنا، التي قد تتضمّن إبادتنا جميعاً، أو بعضاً منا. باختصار، يبدو أن صرخات الفلاسفة الذين حذّروا من “موت الإنسان” تسير في طريق التحقق، اللهم أن يجد الإنسان طريقة للسيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي ومواءمتها مع قيم إنسانية، يفتقدها أغلب من هم في مواقع السلطة والقرار وشركات التكنولوجيا الكبرى، وتلكم هي المعضلة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...