عائشة بلحاج
صحافية وشاعرة مغربية.
سمّى والدا غوغول، بطل رواية جومبا لاهيري (The Namesake) “السَّميّ”، طفلهما بهذا الاسم تدليلاً مؤقتاً، وسُجّل به، بحكم الضرورة. وعندما دخل المدرسة، أرادا أن يُنادَى بالاسم البنغالي نيخيل بين زملائه، لكن الطفل رفضه، لأنه لم يرغب في التخلي عما اعتاد عليه. حين بلغ الثامنة عشرة، نفر من اسم غوغول، فقدّم طلباً لتغييره إلى نيخيل الذي صار اسمه الرسمي، لكن جزءاً منه ظل غوغول، فيما صار جزء آخر منه يشبه نيخيل.
وفي هذه المفارقة، تتجلى أسئلة الهوية في مجتمع الهجرة الأميركي، فالإنسان يُغيّر اسمه عندما تتسع المسافة بين الهوية التي يحملها اسمه، والهوية التي يريد أن يعيش بها.
على صفحة الإعلانات في صحيفة الشرق القطرية، لفتت انتباهي زاوية فريدة لأشخاص غيّروا أسماءهم، فقلتُ لنفسي: لم قد يُعلن شخص عن أمر كهذا؟ تبيّن أن القانون يفرض هذا، ليُتيح للمعترضين مهلة 15 يوماً. بينما استغرق الأمر بضع دقائق ليصبح غوغول نيخيل، مع أن هناك ولايات تشترط نشر طلب تغيير الاسم في الصحف أربع مرّات، بحيث يُصبح تغيير الاسم مسألة عمومية، بدل أن تكون شخصية بحتة.
وبقراءة الأسماء الحالية والمغيّرة نجد تناقضات وطرافة، فالسيد سوبهان سكدار، الهندي، يريد تغيير اسمه إلى “سبحان سيكدير شاير أحمد سيكدير”، وبالعكس، السيدة وئام عبد السلام السيد حامد تريد أن تصبح وئام حامد، فقط. لكن أطرف إعلان تغيير أبٍ اسم ابنته من الرّيم إلى توق، كما حدث مع نيخيل. ما الذي حدث لتصبح البنتُ الرّيم توقاً؟ لعل الميم لم ترُق لمزاجها، مع أنها من أجمل وأرق الحروف العربية، وفضلت القاف المنفّرة على الميم. لا شك أنها مدلّلة العائلة، واستجاب والدها لشعورها تجاه اسمها، بينما ما زال والدي طوال حياتي يمنّ عليّ باختياره اسم عائشة، مع أنني لم أحبّه، لعاديّته وشيوعه، ولم أجرؤ يوماً على أن أقول له إنه لو كان بيدي لغيّرتُه ولو إلى اسم أمي “عالية”، قبل أن أتعلم حبّه، ولعلني ألفته حتى صرنا مرادفين أنا وهو.
من جانب آخر، يريد السيد رابيه علي، الباكستاني، أن يصبح “ربيعه إسلام راشد علي”، واضح أن الأستاذ ربيعه يريد أن يندمج في المجتمع المحلي، ولا أستغرب أن يكون من الأجانب الذين يرتدون الثوب المحلي رغبة في مزيد من الاندماج، كما يُسمي مهاجرون عرب كثيرون في الغرب أولادهم أسماء تنفع على الوجهين، العربي والأجنبي، مثل سارة وآدم.
لحسن الحظ، لا يوجد في العربية من يتسمى باسم أبيه ويضيف إليه جونيور. أمن قلة الأسماء في العالم أن يسمي جورج بوش الأب ابنه جورج؟ ما أضيق أدمغة الناس. لعله تنبّأ بأنه رغم ما حدث في عهده من حروب، سيُنسى اسمه، لولا الابن، صانع “محور الشر” ذو الاسم المكرّر، فهو لم يُغادر الكرسي بفضيحة مثل نيكسون، ولا كان ممثلاً مثل ريغان، ولا كان أول رئيس أسود البشرة مثل أوباما، ولا ارتبط اسمه بفضيحة جنسية مثل كلينتون، ولا ظاهرة ميتافيزيقية مثل ترامب. أما بوش الأب، فهو في أحسن الأحوال نسخة من بايدن. هنا يكمل الابن بالاسم حضور الأب لتستمر العائلة.
في باب تغيير الأسماء، قال ابن خلدون إن النسب وإن كان طبيعياً فهو “وهمي”. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى تغيير الاسم العائلي باعتباره انتقالاً رمزياً، أي أن الهوية القائمة على النسب قابلة للتحول. وقد يصبح الانتساب الجديد جزءاً من هويته الاجتماعية الفعلية. والاسم قد يصبح وسيلة اندماج في المجتمع الأجنبي الذي يعيش فيه.
يذهب ابن خلدون، في سياق مشابه، إلى أن العِشرة قد تصنع ما يشبه القرابة، وإذا حصل هذا جاء التناصر، فالهوية عنده سؤال: إلى من تنتسب؟ إذ يمكن للإنسان، بتعبير معاصر، أن “يلبس” هوية الجماعة الجديدة.
دراسة اعتمدت ملايين السجلات الأميركية وجدت أن المهاجرين، كلما طالت إقامتهم، سمّوا أطفالهم أسماء أقل “أجنبية”. لكن تغيير الاسم قد يكون فعل حرية، وقد يكون فعل خضوع.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





