قبل أن تُفتح الصناديق: أربعة عشر حلقة في مسرح الخصومة الانتخابيّة..!

 

 

 

 

*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

سنعيش، على ما يبدو، مسلسلًا انتخابيًا من أربعة عشر حلقة درامية. ومع اقتراب موعد الانتخابات تتغير قواعد اللعبة وكأننا أمام موعد مع القيامة السياسية: لا أحد يعرف أحدًا، ولا أحد يثق بأحد، والجميع حكومة وأحزابًا ومرشحين وناخبين يدخلون في حالة استنفار جماعي، تتسع معها دائرة الصراعات وتضيق فيها مساحة العقل.
وفي خضم هذا الضجيج قد يصبح الانتخاب نفسه هو الحلقة الغائبة من مسلسل يفترض أنه وُجد أصلًا لتجسيد حرية الاختيار.
 وليس هذا الوصف بعيدًا عن التنبيه الملكي الذي سبق أن عبّر عنه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في خطابه إلى الأمة يوم السبت 30 يوليوز 2016 بالرباط بمناسبة الذكرى السابعة عشرة لعيد العرش المجيد، حين قال: «فبمجرد اقتراب موعد الانتخابات، وكأنها القيامة، لا أحد يعرف الآخر. والجميع حكومة وأحزابًا، مرشحين وناخبين، يفقدون صوابهم، ويدخلون في فوضى وصراعات، لا علاقة لها بحرية الاختيار، التي يمثلها الانتخاب».
 بعد مرور عشر سنوات تقريبًا، تبدو العبارة وكأنها لم تفقد شيئًا من قدرتها على وصف المشهد. بل لعل وسائل التواصل الاجتماعي قد أضافت إلى «المسلسل» منصة جديدة للبث الفوري والتعليق والتشهير والاستقطاب.
وهكذا لا تعود الحملة الانتخابية مجرد تنافس بين برامج ورؤى، بل تتحول تدريجيًا إلى صناعة للخصوم وإدارة للانفعالات واستثمار في الصور والاصطفافات. وكلما ارتفع منسوب الصراع بدا المشهد أكثر حيوية انتخابية، بينما قد يكون السؤال الحقيقي هو: أين اختفت السياسة التي يفترض أن يختار الناخب على أساسها؟
– الفارق بين ما يُعرض على خشبة الانتخابات وما يُحسب خلفها..!
 الأكثر إثارة أن بعض الصراعات التي تبدو في ظاهرها حادة ونهائية قد تكون جزءًا من هندسة انتخابية أكثر تعقيدًا. فالخصم الذي يُهاجم اليوم قد يصبح حليفًا غدًا، والصراع الذي يستقطب الجمهور قد يخفي تفاهمات محتملة لما بعد الاقتراع.
وفي هذه الحالة يصبح من المشروع التساؤل: هل نشاهد صراعًا انتخابيًا حقيقيًا أم نشاهد أحيانًا صراعًا مُدارًا بعناية، لكل طرف فيه دور أمام الجمهور وحسابات أخرى خلف الستار؟ هنا بالضبط يبدأ التشويق الحقيقي للمسلسل: من يتصارع فعلًا؟ ومن يتظاهر بالصراع؟ ومن ينتظر الحلقة الأخيرة ليكتشف الناخب أن بعض أبطال الحلقات السابقة كانوا يعرفون نهاية القصة منذ البداية؟

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...