مواطنون لم يجدوا في صندوق الاقتراع ما يكفي لإقناعهم بالمشاركة.. ولزرق لـ”الصحيفة”: الامتناع سلوك مركب تتداخل في صناعته عوامل متعددة
أفرزت انتخابات 23 شتنبر 2026 خريطة برلمانية جديدة، وفتحت الباب أمام مرحلة سياسية مختلفة ستتحدد ملامحها أكثر مع مشاورات تشكيل الأغلبية والحكومة المقبلة، غير أن نتائج صناديق الاقتراع حملت معها رقما آخر يستحق قراءة مستقلة بنسبة مشاركة بلغت فقط 38.02 في المائة من الناخبين المسجلين الذين شاركوا في التصويت.
وبلغة الأرقام، يعني ذلك أن أكثر من ستة ناخبين من كل عشرة ممن كانوا مدعوين إلى المشاركة ظلوا خارج مكاتب الاقتراع، إذ بينما انشغل النقاش الانتخابي بترتيب الأحزاب وعدد المقاعد التي حصلت عليها، فإن نسبة المشاركة تضع على الطاولة سؤالا موازي يتعلق بحجم الانخراط الفعلي في العملية الانتخابية، وبالعلاقة التي تربط المواطن بالأحزاب والبرلمان والمؤسسات المنتخبة.
وكانت نسبة المشاركة قد بلغت 28.05 في المائة عند الخامسة مساء، قبل أن ترتفع مع الساعات الأخيرة من عملية التصويت إلى النسبة النهائية المعلنة على المستوى الوطني، غير أن الرقم النهائي، بصرف النظر عن تفاصيل تطوره خلال اليوم الانتخابي، يظل حاملا لدلالة سياسية واجتماعية تتجاوز كونه مؤشرا إحصائيا ضمن جداول النتائج.
فالذهاب إلى صناديق الاقتراع لا يرتبط فقط بوجود لوائح انتخابية أو بتنظيم الحملات، وإنما يتأثر أيضا بشعور الناخب بجدوى المشاركة وبمدى اقتناعه بأن اختياره يمكن أن يحدث فرقا في السياسات والقرارات التي تمس حياته اليومية، ولهذا فإن ضعف المشاركة لا يقدم، في حد ذاته، تفسيرا جاهزا، لكنه يفتح مساحة واسعة من الأسئلة حول الثقة والتمثيل والبرامج وفعالية الصوت الانتخابي.
وعند العودة إلى التجربة المغربية، تبرز انتخابات السابع من شتنبر 2007 باعتبارها محطة مفصلية في النقاش حول المشاركة، فقد بلغت نسبة التصويت آنذاك نحو 37 في المائة، بعدما كانت قد سجلت مستويات أعلى في انتخابات 1997 و2002، وهو ما جعل المشاركة الضعيفة تتحول إلى واحد من أبرز مواضيع النقاش السياسي والإعلامي بعد إعلان النتائج.
وفي خضم ذلك النقاش، استُخدم آنذاك تعبير “السكتة القلبية” لوصف حالة الجمود التي قيل إنها أصابت الحياة الحزبية، في إشارة إلى صعوبة استعادة الأحزاب لنبض سياسي قادر على تعبئة شرائح واسعة من المجتمع، إذ لم تكن المسألة يومها مرتبطة فقط بعدد من لم يصوتوا، وإنما بما كشفته النسبة عن علاقة تحتاج إلى إعادة بناء بين المواطن والعمل الحزبي والمؤسسات المنتخبة.
وبعد نحو عقدين، تعود النسبة إلى مستوى قريب من ذلك الرقم، لكن في سياق مختلف تماما، فقد تغيرت الخريطة الحزبية، وتعاقبت الحكومات، وتوسعت وسائل التواصل الرقمي، وتبدلت طرق وصول المواطن إلى المعلومة السياسية، كما ظهرت أجيال جديدة من الناخبين لم تعد علاقتها بالأحزاب ومؤسسات الوساطة شبيهة بعلاقة الأجيال السابقة بها.
وفي قراءة لهذا المعطى، يقول الأستاذ رشيد لزرق، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، في تصريح لـ”الصحيفة”، إن انخفاض نسبة المشاركة لا يمكن اختزاله في تفسير أحادي يقوم على رفض الأحزاب، معتبرا أن الامتناع الانتخابي سلوك مركب تتداخل في إنتاجه محددات سياسية واجتماعية ونفسية ومؤسساتية.
ويشرح لزرق أن ضعف المشاركة يمكن أن يرتبط بتراجع الثقة في الفاعلين الحزبيين، وانخفاض الإحساس بفعالية الصوت الانتخابي، وضعف التمايز بين العروض السياسية، إلى جانب شعور بعض الناخبين بأن نتائج الانتخابات لا تحدث أثرا ملموسا في مسار السياسات العمومية.
ومن هذا المنظور، تصبح كلمة “العزوف” نفسها بحاجة إلى شيء من التفكيك، فليس كل من لم يصوت قد اتخذ القرار نفسه للأسباب ذاتها، هناك من لا يهتم بالانتخابات، وهناك من يجد نفسه بعيدا عن التنظيمات السياسية، وهناك من لا يرى فرقا كافيا بين الخيارات المعروضة، وهناك من قد يتخذ عدم المشاركة موقفا احتجاجيا على أداء الأحزاب أو المؤسسات.
وهنا يميز لزرق بين اللامبالاة الانتخابية والامتناع الاحتجاجي، فالأولى ترتبط، وفق قراءته، بضعف الاهتمام بالشأن السياسي أو محدودية التعبئة، بينما يمكن أن يعبر الثاني عن قرار واع بعدم المشاركة بسبب فقدان الثقة في الأحزاب أو الاعتقاد بأن التصويت لن يؤدي إلى نتيجة مؤثرة، وفي الحالتين، لا تكون النسبة وحدها كافية لفهم الدوافع التي تقف وراءها.
وتقود هذه القراءة مباشرة إلى مسألة الوساطة السياسية، فالأحزاب يفترض أن تشكل إحدى القنوات الأساسية التي تنتقل عبرها المطالب الاجتماعية إلى المؤسسات، وأن تحول انتظارات المواطنين إلى برامج وسياسات قابلة للنقاش والتنفيذ والمساءلة، ولكن عندما يشعر جزء من المجتمع بأن هذه العلاقة ضعفت، فإن المسافة بين المواطن والحزب يمكن أن تتحول تدريجيا إلى مسافة بين المواطن وصندوق الاقتراع نفسه.
ويحذر لزرق، في السياق نفسه، من الاكتفاء بتفسير العزوف باعتباره “ظاهرة دولية”، صحيح أن انخفاض المشاركة موجود في ديمقراطيات مختلفة، يقول الأستاذ الجامعي، لكن وجود الظاهرة في أكثر من بلد لا يعني أن لها الأسباب والدلالات نفسها، فالسلوك الانتخابي، بحسب قراءته، مرتبط بالسياق الذي ينتج فيه، وبطبيعة المؤسسات والأحزاب ومستوى الثقة والشعور بفعالية الصوت.
المصدر: الصحيفة





