ما الذي يغادر العراق مع القوات الأمريكية وما الذي يبقى بعد الانسحاب؟

إيطاليا تلغراف متابعة

تغادر القوات الأمريكية غدا الأربعاء آخر قواعدها في العراق، مع انتهاء الموعد المحدد لمهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، في ختام مسار انسحاب امتد على مراحل خلال العامين الماضيين.

وبالتزامن مع ذلك، يدخل العراق عطلة رسمية تمتد 4 أيام تحت اسم “أيام السيادة”، بينما قال مكتب رئيس الوزراء إن الأول أكتوبر/تشرين الأول “سيشكل يوما جديدا في مسار الدولة العراقية”.

لكن خروج القوات يفتح أسئلة تتجاوز الاحتفال: ما الذي يغادر معها؟ وما الذي أصبحت بغداد قادرة على توليه وحدها؟ وماذا يبقى من العلاقة الأمنية مع واشنطن؟

ما الذي ينتهي فعلا في 30 سبتمبر؟

موعد الأربعاء ليس بداية الانسحاب، بل نهاية مسار بدأ قبل عامين.

فالبيان العراقي الأمريكي الصادر في 27 سبتمبر/أيلول 2024 قسّم إنهاء مهمة التحالف إلى مرحلتين.

  • الأولى تنهي المهمة العسكرية داخل العراق في موعد أقصاه نهاية سبتمبر/أيلول 2025.
  • الثانية تستمر حتى سبتمبر/أيلول 2026 لدعم العمليات ضد تنظيم الدولة في سوريا، من منصة تحددها اللجنة العسكرية العليا المشتركة بين البلدين.

وفي 18 يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت اللجنة العسكرية العليا العراقية لإنهاء مهمة التحالف اكتمال إخلاء القواعد والمقار القيادية في المناطق الاتحادية من مستشاري التحالف، ومنها قاعدة عين الأسد ومقر قيادة العمليات المشتركة، مع استمرار الدعم اللوجيستي لعمليات سوريا عبر قاعدة جوية في أربيل.

وهكذا بقي الوجود الأمريكي متركزا أساسا في شمال العراق، ونقلت أسوشيتد برس عن مسؤول عسكري أمريكي أن الانسحاب سيكتمل بحلول 30 سبتمبر/أيلول، وأن معظم “المئات” المتبقين سيُعاد نشرهم في الأردن ودول أخرى بالمنطقة.

وكان الوجود الأمريكي يضم نحو 2500 عسكري خلال السنوات الأخيرة، بعدما تجاوز 170 ألفا في ذروة العمليات عام 2007.

ماذا يغادر مع القوات الأمريكية؟

المغادر ليس الجنود وحدهم، فبحسب أسوشيتد برس، ستُسحب أيضا معدات عسكرية، بينها منظومات دفاع جوي.

وكانت منظومات الدفاع الجوي الأمريكية في أربيل قد أدت دورا في اعتراض صواريخ باليستية ومسيّرات إيرانية خلال الحرب الحالية.

ويشير القائد الكردي سيروان بارزاني، في حديثه لرويترز، إلى ثلاث قدرات أخرى قد يفتقدها العراق بعد الخروج: الاستخبارات الأمريكية، والدعم اللوجيستي، والطائرات المسيّرة.

وتبدو الحساسية أكبر في إقليم كردستان، حيث قالت وزارة البيشمركة إن الإقليم تعرض لأكثر من ألف هجوم بالمسيّرات والصواريخ الباليستية منذ اندلاع الحرب، ووصفت مغادرة القوات الأمريكية “دون توفير أي نظام دفاعي” بأنها “أمر يبعث على القلق”.

ما الذي يستطيع العراق القيام به وحده؟

في المقابل، تقول بغداد إن كثيرا من المهام انتقل بالفعل إلى القوات العراقية قبل موعد الانسحاب.

وقال قائد القوة الجوية العراقية الفريق الطيار خالد التميمي إن أي قوة من التحالف لم تنفذ واجبات داخل العراق منذ بداية 2026. وأضاف أن المسيّرات العراقية حلت محل طائرات التحالف في الاستطلاع، وأن القوة الجوية تنفذ مسحا جويا يوميا للأراضي العراقية.

وقال أيضا إن مقاتلات “إف-16” العراقية نفذت مهام لأكثر من 10 أيام من دون تدخل أجنبي، وإن كوادر عراقية تتولى صيانتها.

لكن الدفاع الجوي يظل الملف الأكثر حساسية، حيث قال المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان لأسوشيتد برس إن العراق يقترب من الحصول على منظومات جديدة من كوريا الجنوبية وتركيا والولايات المتحدة، وإنها ستُنشر وفق خطط عسكرية مدروسة “لضمان الحماية الكاملة للأجواء العراقية، بما فيها إقليم كردستان”.

في المقابل، قال أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأردنية حسن البراري للجزيرة إنه “من غير المرجح” أن تكون الدولة العراقية قادرة حاليا على حماية أجوائها من الصواريخ والمسيّرات إذا استهدفت إيران أربيل مثلا.

هل يمنح الانسحاب تنظيم الدولة فرصة؟

خسر تنظيم الدولة الأراضي التي كان يُسيطر عليها قبل نحو عقد، ويقدّر أحدث تقرير للأمين العام للأمم المتحدة أنه بات “في أضعف حالاته”، مع بضع مئات من المقاتلين وقدرة تقتصر على تنفيذ عمليات بسيطة، بفعل الضغط المستمر للقوات العراقية.

لكن خلاياه لم تختفِ تماما. فقد قالت قوات الأمن العراقية إن خلية يُشتبه في انتمائها إلى التنظيم كانت تُعد لهجمات انتحارية بالتزامن مع الانسحاب، بينما تحدث سيروان بارزاني عن تحركات لخلايا نائمة خلال الأسابيع الأخيرة. وفي المقابل، يقول قائد القوة الجوية العراقية خالد التميمي إن “خطر الإرهاب محدود جدا حاليا”.

وتحدث أربعة مسؤولين أمنيين وعسكريين عراقيين لرويترز عن مخاوف من قدرة التنظيم على استغلال ثغرات أمنية.

وماذا عن سلاح الفصائل؟

سياسيا، تنظر فصائل مسلحة إلى الخروج الأمريكي باعتباره انتصارا. ووصف أبو مجتبى الياسري، القيادي في “المقاومة الإسلامية في العراق”، الانسحاب لرويترز بأنه “نصر تاريخي”.

غير أن خروج القوات لا يعني حسم ملف السلاح في اليوم نفسه، فقد ربطت الحكومة مسار حصر السلاح بموعد الانسحاب، ثم أُرجئ الحسم إلى يونيو/حزيران 2027.

وقال مسؤول في أحد الفصائل لأسوشيتد برس إنه “لا يوجد أي قرار على الإطلاق لدى الفصائل بتسليم السلاح”.

ماذا يبقى لواشنطن بعد خروج القوات؟

خروج القوات من القواعد لا يعني خروج واشنطن من الملف الأمني العراقي.

فالبيان المشترك لعام 2024 نص منذ البداية على الانتقال إلى “شراكات أمنية ثنائية”. وفي حوار التعاون الأمني في يوليو/تموز من العام نفسه، اتفق البلدان على مرحلة جديدة تشمل ضباط الارتباط والتدريب وبرامج التعاون الأمني التقليدية.

كما بحث الجانبان بناء قدرات القوات العراقية عبر المساعدة العسكرية ومبيعات الأسلحة وتمويلها، وأكدا أهمية صيانة المعدات الأمريكية المستخدمة لدى القوات العراقية وتعزيز برامج التعليم والتدريب العسكري.

وعند تسلم المقر الأمريكي في مطار بغداد، قال رئيس خلية الإعلام الأمني الفريق سعد معن إن ذلك لا يحول دون استمرار التعاون الأمني مع الشركاء الدوليين، على أساس الاحترام المتبادل وبما يحفظ استقلال القرار العراقي.

وهكذا لا يطوي 30 سبتمبر/أيلول العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن بقدر ما يغير شكلها. فهو يغلق صفحة وجود عسكري بدأ بالغزو عام 2003، وتخلله انسحاب نهاية عام 2011، ثم عودة عام 2014 بطلب من بغداد لمواجهة تنظيم الدولة.

أما الاختبار الذي يبدأ صباح الخميس، فلن يكون في عدد الجنود الذين غادروا فقط، بل في مقدار ما تستطيع المؤسسات العراقية توليه من المهام التي كانت تؤدى بمساعدة التحالف، وفي الشكل الذي ستأخذه المساعدة الأمريكية بعد خروج القوات من القواعد.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics