المثقفون الكومبرادور: كيف يصنع الاستعمار مخبرين يشبهوننا؟

إيطاليا تلغراف متابعة

استخدم الثوري الأمريكي الأسود مالكوم إكس (1925-1965)، في خطابه الشهير “رسالة إلى القواعد الشعبية” عام 1963، مصطلحي “زنجي المنزل” و”زنجي الحقل” كاستعارتين لانتقاد معاصريه من القادة السود الذين تماهوا، عن وعي أو عن غير وعي مع أيديولوجيا السلطة البيضاء، في مقابل أولئك الذين نشدوا حرية وتحررا حقيقيين خطابا وممارسة.

وترتبط استعارة “زنجي المنزل” بفكرة “العم توم”، التي يُفهم منها الشخص المفرط في التودد إلى الأقوياء وأصحاب السلطة، والذي كثيرا ما يتصرف بخنوع أو يخون جماعته من أجل مكسب شخصي. والمصطلح مستمد أصلا من الشخصية الرئيسية في رواية كوخ العم توم (1852) لهارييت بيتشر ستو.

غير أن الاستعارة بفعل السخرية المسرحية اللاحقة منها فيما عُرف بـ”عروض توم”، تحولت في نهاية المطاف من شخصيتها الأصلية إلى نموذج خانع متماه مع البياض، ويمثل هذا النمط من الشخصيات في التاريخ الأفريقي الأمريكي نزوعا إلى تفضيل ثقافة سياسية متحدية للعبودية وعقلية العبيد.

وهذه المصطلحات ليست نزوة عابرة أو مجرد قول مأثور، بل تشير إلى جوهر أفكار تحررية شغلت أكثر مفكري عصرنا استشرافا للخلاص؛ فهي لا تحدد المخيلة السياسية فحسب، بل الأخلاقية أيضا، تلك التي يمكن للإنسانية جمعاء أن تصوغ من خلالها حياة ثرية ومُرضية.

تحتاج الإمبراطوريات وعملياتها الاستعمارية دوما إلى أنماط متنوعة من الهيمنة كي تقنع نفسها، وتسعى إلى إقناع الآخرين، بأن النظام الطبيعي للهيمنة العرقية أمر بديهي. وتحتاج الأمم المُخضعة إلى أن تُقنع بدونية كينونتها كي تذعن للقوى المهيمنة

الأصل الفلسفي للفكرة

وتعود طبيعة هذه الجدلية التي لا تنتهي بين المهيمِن والمهيمن عليه إلى فكرة هيغل عن جدلية السيد والعبد في كتابه” فينومينولوجيا الروح” (1807)، حيث يطالب السيد بالاعتراف من عبد لا يراه هو نفسه جديرا بمنح هذا الاعتراف أو تلقيه!

ووصلت هذه المقدمة الهيغلية في نهاية المطاف إلى فرانز فانون، وتبلورت أكثر في كتابه الرائد “بشرة سوداء أقنعة بيضاء” (1952)؛ حيث يرى أن العنصرية والهيمنة الاستعمارية ليستا مجرد ظاهرتين اقتصاديتين أو سياسيتين، بل هما في العمق ظاهرتان نفسيتان تلحقان الضرر بالنفس البشرية، وتولدان لدى المستعمرين شعورا داخليا بالدونية يدفعهم إلى تبني واستبطان لغة المستعمِر وثقافته.

وبالتالي تأتي أحكامه المسبقة، كي يشعروا بأنهم متحضرون ومقبولون، ويشكل هذا “القناع” محاولة لإخفاء السواد تحت مظاهر بيضاء، وهو ما يسميه فانون “التبييض” (lactification). ويوضح كذلك كيف أن إتقان لغة المستعمِر (الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية وغيرها) يعني قبول العالم المتضمن في هذه اللغات.

وهذا أيضا ما أسماه المفكر الأفريقي الأمريكي البارز و. ب. دوبوا، في كتابه “أرواح الشعب الأسود” (1903)، بـ”الوعي المزدوج”، حيث يرى الأسود نفسه بعين الأبيض وهي تنظر إليه نظرة استعلاء؛ وهنا يبين فانون مستعينا بخلفيته في الطب النفسي، أن العنصرية جرح نفسي يشوه في الواقع علاقة كل من الأسود والأبيض بذاته وبالآخر. وعِبرة القصة عند فانون هي التحرر المتحدي من هذه الحالة النفسية.

من فانون إلى سعيد وآخرين

وبعد جيل من فانون، نقرأ في كتاب إدوارد سعيد “تمثيلات المثقف” (1993)، المستند إلى محاضراته التي ألقاها لهيئة الإذاعة البريطانية عام 1993، وهي صيغة أكثر تفصيلا لهذه الأطروحة، تتمثل في المثقفين المغتربين الذين يُجندون كمنظرين أيديولوجيين لجهاز السلطة الإمبراطورية في بلدانهم المضيفة.

وقسم سعيد المثقفين إلى “قائلي نعم” و”قائلي لا”، ونظر لنفسه بأن المنفى هو أفضل حال للمثقف، سواء كان منفى فعليا أو مجازيا. غير أنه لم يخطر بباله أن هؤلاء المثقفين المنفيين قد يتحولون أيضا إلى مخبرين أصليين في خدمة الإمبراطورية، وهو ما يحدث كثيرا بالفعل.

وبحلول الوقت الذي نشر فيه سعيد كتابه حدث تدخلٌ رئيسي آخر، هو كتاب الروائي الكيني ومنظر ما بعد الاستعمار نغوغي وا ثيونغو الذي جاء بعنوان ” تحرير العقل من الاستعمار: سياسات اللغة في الأدب الأفريقي” (1986)، قد دفع بحدود هذا التشخيص إلى أبعد من ذلك؛ حيث تضمن الكتاب مجموعة مقالات حول اللغة ودورها البناء في الثقافة الوطنية والتاريخ والهوية، يدعو فيه نغوغي وا ثيونغو إلى تحرير اللغة من الاستعمار، في واحد من أشهر مؤلفاته غير الروائية وأكثرها استشهادا، وهو ما ساهم في جعله صوتا بارزا في تنظير “جدل اللغة” ضمن دراسات ما بعد الاستعمار.

تستخدم القوى الإمبراطورية الغربية هذه الشخصيات لتشويه صورة بلدانهم الأصلية وصناعة قبول عام للتدخلات العسكرية أو الاحتلالات الأجنبية، على غرار المبررات التي استُخدمت خلال الحرب على العراق، والتي نراها اليوم تُستحضر مجددا في حرب إسرائيل والولايات المتحدة على إيران

الإمبراطوريات المختلة تستخدم المخبرين الأصليين وتحتقرهم

وظهرت مساهمتي الخاصة في هذا النمط من التفكير النقدي أول مرة في كتابي” بشرة بنية أقنعة بيضاء” (2011)؛ حيث نظرت انطلاقا مما أرساه فانون وسعيد ونغوغي وا ثيونغو، في كيفية استبطان المستعمرين مشاعر الدونية العرقية عبر وضع أنفسهم في خدمة إمبراطورية هشة ومختلة. ودفعتُ هذه الأفكار حينها نحو عصر العولمة الاستعمارية الجديدة الراهن، حيث وجدت العقول المستعمرة أعمالا مجزية للترويج لنفسها.

وركزتُ بوجه خاص على الأكاديميين والكتاب المهاجرين الذين يقومون بدور المثقفين الكومبرادور أو والمرتزقة الفكريين؛ وتستخدم القوى الإمبراطورية الغربية هذه الشخصيات لتشويه صورة بلدانهم الأصلية وصناعة قبول عام للتدخلات العسكرية أو الاحتلالات الأجنبية، على غرار المبررات التي استُخدمت خلال الحرب على العراق، والتي نراها اليوم تُستحضر مجددا في حرب إسرائيل والولايات المتحدة على إيران.

ولتحقيق ذلك، كان لزاما عليّ تصويب الصورة الإيجابية المطلقة التي رسمها إدوارد سعيد للمثقف المنفي، لأوضح أن بعض المثقفين المهاجرين يجدون في إخبار أسيادهم بما يودون سماعه تجارة رابحة.

وبعد سنوات قليلة من صدور كتابي، طرح غلين شون كولثارد في كتابه “بشرة حمراء أقنعة بيضاء: رفض سياسات الاعتراف الاستعمارية” (2014) حجة مماثلة بشأن سكان أمريكا الأصليين، وباعتباره أحد أفراد أمة “يلونايفز ديني” الأولى، يتحدى كولثارد فكرة أن “الاعتراف” الذي تقوده الدولة يمكن أن يصالح ماضي الاستعمار أو يسوي بعدل حقوق الأرض والحكم الذاتي للشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية، ويقترح بدلا من ذلك سياسة بديلة تقوم على إعادة تقييم التقاليد الثقافية الأصلية وممارستها وعلى تقرير المصير.

وتحتاج الإمبراطوريات وعملياتها الاستعمارية دوما إلى أنماط متنوعة من الهيمنة كي تقنع نفسها، وتسعى إلى إقناع الآخرين، بأن النظام الطبيعي للهيمنة العرقية أمر بديهي. وتحتاج الأمم المُخضعة إلى أن تُقنع بدونية كينونتها كي تذعن للقوى المهيمنة.

وهنا يصبح المخبرون الأصليون والمثقفون الكومبرادور من الأمم الداكنة، المنتشرون الآن في الحرم الجامعي الأمريكي في عيش بائس ومُذل، أداة سهلة المنال لأسيادهم أصحاب البيت، إذ يتظاهرون بأنهم يتحدثون باسم “الأصلي الصالح” واشين بـ”الأصليين الأشرار”، وبصفتهم “عبيد البيت”، يضفون بذلك شرعية العبيد على عبوديتهم، وتظل جدلية هيغل فاعلة دوما، فكلما ازداد سعيهم لنيل رضا أسياد البيت، ازداد احتقار هؤلاء الأسياد لهم في الواقع.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics