بين تهجم برلمانه وبراغماتية مفوضيته.. هل يلعب الاتحاد الأوروبي “على الحبلين” مع المغرب في ملف الهجرة؟
في أقل من أسبوعين، برز داخل المؤسسات الأوروبية تباين بين تصويت البرلمان ومقاربة المفوضية تجاه المغرب على خلفية أزمة سبتة، إذ بعدما صادق البرلمان الأوروبي في 17 شتنبر على قرار شديد اللهجة أدان فيه استخدام الهجرة غير النظامية أداة لـ”الحرب الهجينة”، جاءت المفوضية، بعد 11 يوما، لتؤكد مكانة المغرب “شريكا استراتيجيا مهما” واستمرار التعاون معه في الهجرة ومكافحة الاتجار بالبشر.
ولا يتعلق الأمر بتراجع مؤسسة أوروبية عن موقف أخرى بقدر ما يكشف اختلافا بين منطقين، الأولى تتمثل في خطاب سياسي يرفع سقف الضغط على المغرب، والثانية تتجلى في مقاربة تنفيذية تصطدم بواقع الجغرافيا والمصالح وحاجة الاتحاد إلى التعاون معه في إدارة حدوده الجنوبية.
وترجم البرلمان لهجته إلى مطالب عملية، داعيا المغرب إلى الوفاء بالتزاماته باعتباره “شريكا رئيسيا” للاتحاد في إدارة الحدود وإعادة المهاجرين، بالتوازي مع تعزيز حماية الحدود البرية والبحرية لسبتة وزيادة قدرات وكالة “فرونتكس” والموارد المخصصة لمراقبة الحدود الخارجية للاتحاد.
وذهب الضغط أبعد من الجانب الأمني، إذ طالب بإحداث آليات تتيح تعليق التمويلات الأوروبية واسترجاع المبالغ المصروفة للدول الشريكة عند غياب التعاون أو المساس بمصالح الاتحاد أو إحدى دوله الأعضاء، فيما لم يحظ مقترح أكثر تشددا تقدمت به “فوكس”، لتعليق التمويل الموجه إلى المغرب فورا، بالموافقة.
وحمل القرار بذلك مفارقته الخاصة، فبقدر ما رفع سقف الضغط على الرباط، لم يدفع نحو فك الارتباط معها، بل أبقى التعاون مع المغرب جزءا من الاستجابة للأزمة، ووصفه في النص نفسه بـ”الشريك الرئيسي”.
وفي مقابل هذا الضغط، استندت المفوضية إلى حصيلة التعاون على الأرض، لافتة إلى تراجع الدخول غير النظامي عبر مساري غرب المتوسط والأطلسي بنسبة 42 في المائة خلال 2025 مقارنة بالعام السابق، ثم بنسبة 34 في المائة خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
وتكتسب هذه الأرقام دلالتها من توقيتها، إذ تسبق أحداث نهاية يوليوز في سبتة، بما يجعل الأزمة، وفق المعطيات التي قدمتها المفوضية، لا تلغي اتجاها عاما سابقا نحو تراجع التدفقات، ومن هذا المنطلق، أكدت بروكسيل استمرار جهودها المشتركة مع الرباط في الهجرة ومكافحة الاتجار بالبشر، ودعمت مواصلة التعاون الوثيق بين المغرب وإسبانيا لمعالجة الوضع وضمان إعادة من لا يحق لهم البقاء.
ولا ينفصل الاختلاف بين المقاربتين عن طبيعة المؤسستين نفسيهما، إذ خرج القرار البرلماني من معركة سياسية داخل القاعة الأوروبية، بعدما تعذر التوصل إلى نص توافقي بين الكتل، ليمر مقترح حزب الشعب الأوروبي بأصوات الشعبيين والمحافظين واليمين المتطرف والسياديين وجزء من الليبراليين، مقابل معارضة الاشتراكيين والخضر واليسار وجزء آخر من الكتلة الليبرالية.
أما المفوضية، فتتحرك من موقع تنفيذي في تدبير سياسات الهجرة والشراكات والتمويل الأوروبي، وهو ما يضع أمامها سؤالا أكثر عملية يتعلق بكيفية ضبط الحدود وإعادة المهاجرين والحفاظ على تعاون تقول أرقامها إنه ساهم في خفض التدفقات.
ومنحت إحالة أزمة سبتة إلى المؤسسات الأوروبية إسبانيا جزءا مما سعت إليه، بتحويل أمن المدينتين والحدود المحيطة بهما إلى قضية مرتبطة بحماية الحدود الخارجية للاتحاد، مع المطالبة بمزيد من الدعم المالي والأمني وتعزيز قدرات “فرونتكس”، لكن “أوربة” الأزمة لم تُخرج المغرب من المعادلة، إذ تمسكت المفوضية بالتعاون الوثيق بين الرباط ومدريد، وعملت مع المغرب لتسهيل عمليات العودة.
وذهبت النقاشات داخل لجنة العرائض أبعد من تدبير تداعيات الأزمة، إذ طُرحت الدعوة إلى وضع “خارطة طريق هيكلية” لسبتة تجمع بين أمن الحدود والتنمية الاقتصادية واستقرار العلاقات التجارية عبرها، إلى جانب تعاون مستقر ومنسق، بمسؤوليات واضحة، بين إسبانيا والمغرب والاتحاد الأوروبي.
وتلتقي هذه الرؤية، وإن كانت صادرة عن أصحاب العريضة وليست موقفا رسميا للمفوضية، مع توجه إسباني نحو تعزيز اندماج سبتة ومليلية داخل المنظومة الأوروبية، من حضور أكبر لوكالات الاتحاد إلى طرح دخولهما الاتحاد الجمركي، بينما يظل استقرار حدودهما مرتبطا في الوقت نفسه بالتعاون مع المغرب.
وبذلك، فإن نقل ملف سبتة من إطاره الثنائي مع الرباط إلى مستوى أوروبي أوسع لا يقلص بالضرورة موقع المغرب في المعادلة، بل يضع العلاقة معه بصورة متزايدة عند تقاطع المصالح الإسبانية والأوروبية في الأمن والهجرة واستقرار الحدود الجنوبية للاتحاد.
المصدر: الصحيفة





