قيادة المعارضة بـ54 مقعدا.. هل هي خطوة أولى من “العدالة والتنمية” نحو 2031 على درب تكرار سيناريو 2011؟

إيطاليا تلغراف متابعة

حين اعتبر عبد الإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إنه يعتبر أن هذا الأخير فاز، وأنه يستحق أن يحتفل بفوزه، ربما لم يكن مبالغا من الناحية السياسية، فالحزب لم يستعد في انتخابات 2026 موقعه السابق، لكنه استعاد ما افتقده منذ هزيمة 2021: كتلة برلمانية تسمح له بالعودة إلى المنافسة السياسية من موقع مختلف، فبعد سقوطه من 125 إلى 13 مقعدا، عاد بـ54 نائبا، وحل رابعا قبل أن يحسم اختياره بالاصطفاف في المعارضة.

وتمنح النتيجة معنى مختلفا لهذا الاختيار، فالحزب لا يدخل المعارضة هذه المرة بعد انهيار انتخابي، وإنما بعد استعادة 41 مقعدا وفي بداية منحنى صاعد، مستعيدا بذلك موقعا سبق أن بنى منه، على مدى سنوات، الطريق الذي أوصله للمرة الأولى إلى صدارة الانتخابات وقيادة الحكومة، ومن هنا تصبح الولاية المقبلة اختبارا لما إذا كان التعافي الذي بدأ في صناديق 2026 سيقف عند استعادة جزء من الوزن المفقود، أم سيتحول إلى دورة صعود ثانية تضع الحزب مجددا في سباق الصدارة بحلول 2031.

وللحزب سابقة في بناء قوته من مقاعد المعارضة، إذ لم يكن وصوله إلى قيادة الحكومة سنة 2011 نتيجة قفزة انتخابية معزولة، بل نهاية مسار بدأ بتسعة مقاعد في أول مشاركة تشريعية له سنة 1997، قبل أن يرفع تمثيليته إلى 42 مقعدا في 2002 ثم 46 في 2007، حين أصبح قوة رئيسية في المعارضة.

وجاء التحول الأكبر في انتخابات 2011، عندما قفز إلى 107 مقاعد وتصدر النتائج لأول مرة، في سياق خاص مُشبع باحتجاجات 20 فبراير، والتي ولّدت دستورا جديدا للمملكة، لينتقل “البيجيدي” من المعارضة إلى رئاسة الحكومة، قبل أن يعزز موقعه بـ125 مقعدا في انتخابات 2016، وهو أعلى رصيد برلماني بلغه في تاريخه.

وتمنح هذه الرحلة نتيجة 2026 دلالة إضافية، فالكتلة التي يعود بها الحزب اليوم إلى المعارضة أكبر من تلك التي كان يمتلكها في 2007، عشية صعوده الأول إلى صدارة المعارضة، من دون أن يعني ذلك أن المسار نفسه قابل للتكرار أو أن شروط 2031 ستكون مماثلة لسياق 2011.

لكن ذلك المسار التصاعدي انقطع بصورة حادة في انتخابات 2021، حين خسر العدالة والتنمية 112 مقعدا دفعة واحدة، منهيا عقدا من قيادة الحكومة ومتراجعا إلى المرتبة الثامنة، في أكبر انتكاسة انتخابية عرفها منذ دخوله المؤسسة التشريعية.

وبعد خمس سنوات، تظهر النتيجة الجديدة اتجاها معاكسا من دون أن تعيد الحزب إلى وزنه السابق، فرصيده الحالي لا يزال أقل بـ71 مقعدا من ذروة 2016 وبـ53 مقعدا من النتيجة التي أوصلته إلى صدارة انتخابات ثم ترأس الحكومة في 2011، لذلك تبدو انتخابات 2026 أقرب إلى بداية إعادة بناء منها إلى عودة مكتملة.

ويختلف الموقع الذي اختاره العدالة والتنمية للولاية المقبلة عن المعارضة التي مارسها خلال السنوات الخمس الماضية، ليس في طبيعته، وإنما في الوزن البرلماني الذي سيدخل به إليها، فالحزب ينتقل من كتلة محدودة فرضتها هزيمة 2021، منحته مجموعة برلمنية فقط، إلى حضور أوسع يمنحه مساحة أكبر في مراقبة الحكومة ومساءلتها والمبادرة داخل المؤسسة التشريعية، من خلال فريق نيابي.

وقد حسم المجلس الوطني هذا الخيار بالإجماع، معلنا ممارسة “معارضة وطنية مسؤولة وقوية”، فيما أكد بنكيران أن الحزب يتجه إلى معارضة “معقولة وقوية”، في وقت تتحدث قيادته عن تفعيل الآليات القانونية والدستورية المتاحة لمساءلة الحكومة المقبلة ومراقبة أدائها.

والفارق الأهم أن الحزب يدخل المعارضة هذه المرة بعد نتيجة انتخابية صاعدة، لا بعد الانهيار الذي قاده إليها في 2021، وهو ما يضع قدرته على تحويل وزنه البرلماني الجديد إلى رصيد سياسي وانتخابي أمام اختبار السنوات المقبلة، خصوصا وأنه سيجد نفسه يقود معارضة قوية، إلى جانب “فدرالية اليسار” وربما أيضا “التقدم والاشتراكية”.

ويحضر في بداية هذا المسار عامل آخر يربط المرحلة الحالية بدورة الصعود الأولى، هو عبد الإله بنكيران نفسه، الذي تولى الأمانة العامة سنة 2008 وقاد الحزب إلى تصدر الانتخابات مرتين متتاليتين، قبل أن يعود إلى قيادته مباشرة بعد هزيمة 2021، في واحدة من أصعب محطات البيجيدي منذ تأسيسه.

وبعد خمس سنوات من عودته، اعتبر بنكيران نتيجة 2026 ذات أهمية خاصة للحزب، بل وضعها، من وجهة نظره، فوق نتيجة 2016، وقال إن “المستقبل يبتسم” للعدالة والتنمية، بينما اعتبر رئيس مجلسه الوطني جامع المعتصم أن الانتخابات أعادت الحزب إلى “موقعه الانتخابي المستحق”، وأن موقعه الطبيعي هو الصدارة.

ويصبح الاختبار هذه المرة مدى قدرة الحزب، بقيادة الرجل الذي رافق صعوده الأول، على استثمار وجوده في المعارضة للتوسع مجددا واستعادة مزيد من الناخبين، وتحويل التعافي الانتخابي إلى مسار قادر على الاستمرار حتى استحقاق 2031.

وتكشف المقارنة مع دورة الصعود الأولى فارقا لافتا، فالعدالة والتنمية احتاج آنذاك إلى ثلاثة استحقاقات تشريعية لينتقل من تسعة مقاعد سنة 1997 إلى 46 مقعدا في 2007، بينما احتاج بعد انهيار 2021 إلى استحقاق واحد ليستعيد كتلة برلمانية تتجاوز بالفعل الرصيد الذي كان يمتلكه عشية صعوده الأول إلى المركز الأول.

لكن التشابه العددي لا يعني تكرار المسار نفسه، لكون السياق الذي قاد إلى انتقال الحزب من 46 إلى 107 مقاعد في 2011 يختلف عن شروط المنافسة الحالية، وما تمنحه نتيجة 2026 هو نقطة انطلاق أسرع من تجربته الأولى، لا ضمانة بأن تكون محطتها التالية صدارة انتخابات 2031.

ويمنح الحسم المبكر لموقع العدالة والتنمية في المعارضة الحزب ولاية كاملة لإعادة بناء قوته من خارج السلطة، في وقت ستتحمل فيه الحكومة المقبلة مسؤولية تدبير ملفات التشغيل والأسعار والخدمات الاجتماعية، إلى جانب الأوراش والاستحقاقات الكبرى المرتبطة بأفق 2030.

ويتيح هذا الموقع لـ”المصباح” التركيز على مراقبة العمل الحكومي والتمايز عن الأغلبية، بالتوازي مع الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وهي حسابات حضرت بالفعل في بعض القراءات التي حاولت تفسير سرعة حسم الحزب خياره بالاستمرار في المعارضة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics