الحرب الأوكرانية..أخطاء الغرب وخطايا بوتين

إيطاليا تلغراف متابعة

يصعب تبني الروايات الروسية التي تقدّم هذه “العملية العسكرية الخاصة” بأنها رد استباقي على اعتداء أوكراني متوقع و/أو من قبل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأن غايتها هي “اجتثاث النازية” من أوكرانيا.

لا يوجد في القانون الدولي ما يسمى بالدفاع الشرعي الاستباقي، وقد اتخذت روسيا بالفعل قرار الاعتداء العسكري على أوكرانيا، منتهكة بذلك ميثاق الأمم المتحدة -رغم كونها عضوا في مجلس الأمن– والقانون الدولي الذي تدّعي رغبتها في احترامه.

وترافقت هذه الحرب، التي يمتنع فلاديمير بوتين عن تسميتها باسمها -والتي قد يؤدي استخدام مصطلحها إلى السجن في روسيا-، مع العديد من جرائم الحرب و/أو الجرائم ضد الإنسانية. ويحظر حظرا باتا بموجب القانون الدولي استهداف المدنيين، والبنى التحتية المدنية والمساكن والمستشفيات، والمدارس ومحطات توليد الكهرباء.

لم تحقق الحرب ما كان يسعى إليه فلاديمير بوتين في حين كان هدفه، هو استعادة مكانة روسيا كقوة عظمى على الساحة الدولية. فقد أضعفت حرب أوكرانيا روسيا، فغدت أقل قوة مما كانت عليه قبل 24 فبراير/ شباط 2022. وحتى لو تمكنت من توسيع أراضيها فعليا في نهاية هذه الحرب، فإن الحصيلة الإجمالية ستكون سلبية.

لا ينبغي أن تمنع الإدانة القانونية والسياسية والأخلاقية للحرب التي شنتها روسيا من التفكير في أسباب هذه الحرب، وفي الأخطاء التي ارتكبها العالم الغربي تجاه روسيا منذ نهاية الحرب البارد

ويثقل كاهلها كل من النزيف الديمغرافي وهجرة الكفاءات وتشوّه الصورة، والخسائر الاقتصادية، وتحوّل الشعور القومي الأوكراني إلى معاداة روسيا، وتصاعد المشاعر المعادية للروس في جميع أنحاء أوروبا الغربية، وانضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو، وسيصدر التاريخ حكما قاسيا على سنوات حكم بوتين بسبب هذه الحرب، رغم أنه نجح من قبل في أن يمنح بلاده مكانة تفوق بكثير وزنها الحقيقي على الساحة الدولية.

وصحيح أن انتخاب دونالد ترمب يَسمح له بالتفكير في تقارب مع الولايات المتحدة وإحداث شرخ في العالم الغربي، إلا أن الحصيلة تبقى سلبية في مجملها.

جذور الأزمة وخلفياتها التاريخية

لا ينبغي أن تمنع الإدانة القانونية والسياسية والأخلاقية للحرب التي شنتها روسيا من التفكير في أسباب هذه الحرب، وفي الأخطاء التي ارتكبها العالم الغربي تجاه روسيا منذ نهاية الحرب الباردة. فرغم أنه لا يمكن تبرير هذه الحرب، فإنه كان من الممكن تجنّبها.

تكمن المشكلة في أن إبراز الأخطاء التي ارتكبها الغرب تجاه روسيا يعد، في النقاش الحالي، تبرئة لموسكو من مسؤولياتها في هذه الحرب.

يجب أن نكون قادرين على الإمساك بطرفي المعادلة، فلا ينبغي للإدانة أن تمنع التفكير، الذي يعدّ في كل الأحوال أمرا لا غنى عنه إذا ما أردنا التحضير للمستقبل.

يتطلب فهم الوضع الحالي العودة إلى جذوره، أي إلى نهاية الحرب الباردة، إذ يصعب تصوير ميخائيل غورباتشوف على أنه كان مدفوعا بمشاعر معادية للغرب.

لقد جعل تجاوز الانقسام بين الشرق والغرب أساسا لسياسته، ونجح في ذلك رغم فشله في إصلاح الاتحاد السوفياتي. وبمجرد أن حصل الغرب منه على كل ما يمكنه الحصول عليه، تخلّى عنه في قمة مجموعة السبع (G7) في يوليو/ تموز 1991. واستنتجت الولايات المتحدة أن إمبراطورية ممزقة هي، في نهاية المطاف، أفضل بكثير من اتحاد سوفياتي متجدد وقادر على المنافسة.

وقد سمعت ميخائيل غورباتشوف مرارا يبدي أسفه لكون الولايات المتحدة فضّلت أن تكون المنتصرة في الحرب الباردة، بدلا من أن تكون البانية لنظام عالمي متجدد كانت تنادي به في الوقت ذاته؛ إنه إغراء ونشوة التوجه نحو عالم أحادي القطب.

أعلن جورج بوش الأب، في خطاب حالة الاتحاد في يناير/ كانون الثاني 1992، أنه “بفضل الله، كسبت أمريكا الحرب الباردة”. وأضاف قائلا: “إن العالم الذي كان منقسما في الماضي بين جيشين، يعترف اليوم بقوة وحيدة ومهيمنة: الولايات المتحدة الأمريكية”. ونظر إلى هذا الأمر بلا خوف، لأن “العالم يثق بنا في ممارسة القوة، وهو محق في ذلك”.

كانت دعوة روسيا ما بعد السوفياتية للانضمام إلى مجموعة السبع، التي تحولت إلى مجموعة الثماني، تندرج في هذا السياق ضمن إطار الاسترضاء والدعم المعنوي أكثر من كونها شراكة إستراتيجية.

اتُّخذ في قمة حلف الناتو عام 2008 أسوأ قرار على الإطلاق، حين وُعدت أوكرانيا بإمكانية الانضمام إلى الحلف -وهو ما يعد خطا أحمر لموسكو- دون أن يتم دمجها فعليا، مما تركها بلا غطاء أو حماية إستراتيجية

التمدد الجيوسياسي ومحطات التحول

سعى حلف الناتو إلى تبرير بقائه رغم زوال التهديد الذي تأسس من أجله، فمنح نفسه مهامّ جديدة تشمل التوسع نحو الدول السابقة في حلف وارسو، وتوالت التحذيرات من مخاطر هذه السياسة من جهات عديدة، بمن في ذلك جورج كينان، مهندس سياسة الاحتواء، وهنري كيسنجر، والعديد من الخبراء الإستراتيجيين الأمريكيين. ولكن كان هذا التوجه مبعث استياء وغضب روسيا؛ إذ أصبح وصف الحلف بأنه تحالف دفاعي يفتقر إلى المصداقية بشدة في موسكو، خاصة بعد حرب كوسوفو.

أراد فلاديمير بوتين عند وصوله إلى السلطة استعادة عظمة روسيا، ولكن دون الدخول في مواجهة مع الغرب. فدعم الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، وعارض حرب العراق إلى جانب فرنسا وألمانيا.

لكنه أصبح شديد الحساسية تجاه السيطرة على ما يعتبره “جواره القريب”، ورأى في الثورات الملوّنة محاولات لزعزعة الاستقرار تديرها واشنطن في الخفاء.

اتُّخذ في قمة حلف الناتو عام 2008 أسوأ قرار على الإطلاق، حين وُعدت أوكرانيا بإمكانية الانضمام إلى الحلف -وهو ما يعد خطا أحمر لموسكو- دون أن يتم دمجها فعليا، مما تركها بلا غطاء أو حماية إستراتيجية.

ورغم أن باراك أوباما قد أبدى شكوكا عميقة حول نظام الدفاع المضاد للصواريخ الذي طالب به البنتاغون، معتبرا إياه مبنيا على تكنولوجيا لم تبتكر بعد لمواجهة تهديد غير مثبت ويتطلب تمويلا غير متوفر، فإنه انتهى به الأمر إلى قبوله تجنبا لتأزيم علاقاته مع المجمّع العسكري الصناعي الأمريكي.

وقد نظرت موسكو إلى هذا البرنامج على أنه تقويض للتكافؤ النووي، وهو البرنامج الذي دفع جورج بوش الابن إلى الانسحاب من معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية (ABM)، التي وقعتها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي 1972.

رغب ديميتري ميدفيديف بعد أن أصبح رئيسا، في تعميق العلاقات مع الغرب، واقترح عقد مؤتمر حول الأمن في أوروبا، إلا أن مقترحه بقي دون رد.

امتنع ميدفيديف عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 1973، والذي يهدف إلى تطبيق مفهوم مسؤولية حماية سكان بنغازي في ليبيا. وحذّره فلاديمير بوتين، الذي كان قد أصبح رئيسا للوزراء، من مناورة غربية لخداع موسكو. لكن ديميتري ميدفيديف واصل مساره متمسكا برؤيته الرامية إلى التقارب. وقد كان ذلك حاسما، إذ تحولت حماية سكان بنغازي إلى تغيير للنظام الحاكم كما كان يخشى فلاديمير بوتين، مما أفقد ديميتري ميدفيديف أي مرونة لاحقة.

كانت موسكو قد وافقت على الانخراط في لعبة الأمن الجماعي للأمم المتحدة عام 1990، بقبولها إجراءات عسكرية ضد حليفها العراقي؛ ثم امتنعت عن التصويت في عام 2011. وفي الحالتين، شعرت بأنها تعرّضت للخديعة.

صرّح فلاديمير بوتين بأن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه الروس بعد نهاية الحرب الباردة هو وثوقهم بالغرب، وأن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه الغرب هو اعتبارهم تلك الثقة ضَعفا.

مستقبل العلاقات والرؤى المتباينة

وصلنا إلى وضع بلغت فيه العلاقات بين دول أوروبا الغربية وموسكو مستوى متدنيا يشبه ما كانت عليه في ذروة الحرب الباردة. ويبدو من الصعب تطبيع هذه العلاقات ما دام فلاديمير بوتين في السلطة. غير أن الأهم هو المستقبل، وهنا تتصادم روايتان داخل العالم الغربي.

بالنسبة لأوروبا الشمالية وبولندا ودول البلطيق، تبدو الأمور واضحة؛ فقد حذّرونا قائلين إن روسيا تشكّل تهديدا بحد ذاتها، لكننا لم نصغ إليهم، وأدى ضَعفنا إلى إذكاء أطماع فلاديمير بوتين. بل إن ليخ فاليسا صرّح بأنه ما لم يتم تقليص روسيا إلى دولة لا يتجاوز عدد سكانها 50 مليون نسمة، فإنها ستظل تهديدا دائما.

قد تقول فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وغيرها إن تلك الدول عارضت لفترة طويلة جدا أي تقارب مع روسيا، إلى حد رفض عقد قمة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا عام 2021، بحجة أن ذلك سيكون بمثابة مكافأة لبوتين، وذلك في الوقت الذي كان يعقد فيه جو بايدن قمة مع نظيره الروسي.

لذا يتعيّن على دول أوروبا الغربية أن تعترف بأنها ارتكبت أخطاء أدت إلى انتهاج فلاديمير بوتين سياسة عنيفة، وأن هذه العدوانية لا تغتفر ولكن كان من الممكن تجنّبها. ومن ثم، عليها التفكير في سياسة جديدة تجاه موسكو عندما يغادر فلاديمير بوتين السلطة. ومن الأجدى أن نتعلّم من أخطائنا بدلا من تكرارها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...