إسبانيا على مفترق الطرق: هل يملك الاشتراكيون فرصة انتخابية جديدة أمام زحف اليمين.. أم إنها بداية النهاية لـ “حقبة سانشيز”؟
دخل الشارع السياسي الإسباني مرحلة إعادة ضبط شاملة عقب الإعلان المفاجئ لرئيس الوزراء بيدرو سانشيز، أمس الاثنين، عن حل البرلمان والدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة، والمزمع إجراؤها يوم الأحد 29 نونبر 2026.
وتأتي هذه القفزة في الفراغ السياسي إثر معركة تشريعية حامية الوطيس انتهت بإسقاط المعارضة لمراسيم حيوية تتعلق بأزمة السكن والتأجير، ما وصل بالبلاد إلى حالة انحصار حكومي حاد جعلت الاستمرار في إدارة المشهد أمراً مستحيلا.
وبينما يُصوّر الخصوم هذه الخطوة على أنها اعتراف صريح بفشل الائتلاف الحاكم، ينظر المقربون من قصر “لامونكلوا” إلى القرار بوصفه مجازفة محسوبة يخوضها سانشيز لإعادة ترتيب أوراقه واستنهاض قواعده الانتخابية.
لغة الأرقام تعزز حظوظ معسكر اليمين
وعند النظر إلى موازين القوى الراهنة، تُجمع أغلب معاهد الاستطلاع الإسبانية المرموقة على رسم لوحة قاتمة لفرص اليسار، إذ تشير أحدث بيانات معهد “سيغما دوس” (Sigma Dos) ومركز “سيليستي تل” (Celeste-Tel) إلى منحنى تصاعدي واضح لصالح التكتلات المحافظة.
ويتصدر الحزب الشعبي المعارض (PP) المشهد بنسبة تتراوح بين 33.3% و33.9% من أصوات الناخبين، ما يُترجم عملياً إلى نحو 147 مقعدا برلمانيا، وفي المقابل، يستمر تراجع الحزب الاشتراكي (PSOE) إلى المرتبة الثانية بنسبة تُقدر بنحو 25.4% إلى 25.9%، متوقعا حصد ما بين 101 إلى 105 مقاعد فقط، وهو فارق يتجاوز العشرين مقعداً مقارنة بنتائجه السابقة.
ولا تقتصر الخطورة على تراجع الاشتراكيين، بل تتعداها إلى الصعود اللافت لحزب “فوكس” (Vox) الممثل لليمين المتطرف، والذي تحوم تقديراته حول 18% من الأصوات لحصد نحو 62 مقعداً.
وتكشف القراءة التجميعية لمؤشرات مركز Celeste-Tel ومعهد DYM أن التحالف المرتقب بين الحزب الشعبي وفوكس قد يتجاوز بسهولة عتبة 207 مقاعد، ليتخطى بمسافة مريحة نصاب الأغلبية المطلقة المحدد بـ 176 مقعدا من أصل 350، الأمر الذي يعزز أطروحة بداية النهاية للحقبة الاشتراكية.
ركائز الرهان اليميني على نهاية الحقبة
وتستند الثقة التي يظهرها التكتل المحافظ بقيادة ألبرتو نونييز فيخو إلى عوامل سياسية وميدانية تجاوزت حدود أرقام استطلاعات الرأي.
فقد جاء تصويت الأحزاب الإقليمية، وتحديداً حزب “جونتس” (Junts) الكتالوني، ضد المراسيم الحكومية الأخيرة ليعلن انقطاع خيط التواصل الصعب الذي كان يربط الائتلاف بأغلبية برلمانية مُقلقة.
يضاف إلى ذلك استنزاف الملفات الاجتماعية الحساسة، وعلى رأسها أزمة الإيجارات وغلاء المعيشة، حيث أظهر إسقاط التشريعات كشف حساب قاسٍ للسياسات الحكومية التي لم تنجح في تقديم حلول جذرية تلبي تطلعات الشارع، فضلا عن حالة التفتت والتراجع التنظيمي التي تعاني منها القوى اليسارية الأخرى مثل حركة “سومار” و”بوديموس”، ما يُضعف الكتلة اليسارية برمتها.
فرصة الاشتراكيين بين واقع الأرقام ومهارة المناورة
على الطرف الآخر، يرى مراقبون للشأن السياسي الإسباني أنه من المبكر كتابة نعي القوة السياسية لبيدرو سانشيز، فالرجل يمتلك سجلا حافلا في قلب الطاولة عند المحطات الفاصلة، وتحويل الأزمات الخانقة إلى فرص للبقاء، كما حدث في محطات انتخابية سابقة.
ويعول الاشتراكيون في هذه الجولة على استراتيجية استنفار “الكتلة الخائفة”، من خلال نقل السجال الانتخابي إلى مربع المحاكمة السياسية الخالصة، وتحذير الناخب المتردد والوسطي من تبعات دخول اليمين المتطرف إلى تشكيلة الحكومة القادمة.
كما يحاول سانشيز استرداد المبادرة بالتركيز على ملفات الرعاية الاجتماعية، متهما معارضيه بالتآمر مع القوى العقارية الكبرى ضد الطبقات الوسطى والشباب.
وينتظر الشارع الإسباني معركة فاصلة في نهاية نونبر، حيث ستكشف صندوق الاقتراع ما إذا كانت البلاد تمضي فعليا نحو حقبة يمينية جديدة تعيد تشكيل وجه السياسة الإسبانية، أم أن ساحر “المونكلوا” سيسجل جولة جديدة من التعافي السياسي، متجاوزا كل توقعات معاهد الاستطلاع.
المصدر: الصحيفة





