محمد الدكالي
حبيب الله مايغا، رجل أمّة
مالي (2001)
كانت الزيارة الثالثة لهذا البلد الأفريقي المسلم العريق، وكانت وجهتنا إلى مدينة غاو (أو غاوا كما تسمى في المصادر التاريخية القديمة)، وتقع في شمال شرق البلد على ضفاف نهر النيجر العظيم الذي يبلغ طوله 4180 كلم، وتجري مياهه من منابعها في جبال غينيا الجميلة إلى مالي ثم النيجر لتصب في خليج غينيا على المحيط الأطلسي في نيجيريا. تبعد غاو عن باماكو 947 كلم. هي عاصمة مملكة صونغاي التاريخية (ق 11م- ق16م)، زارها الرحالة ابن بطوطة ووصف عمرانها ومساجدها وغناها، وذكر أهمية أدوارها في الدعوة ونشر الثقافة الإسلامية واللغة العربية. كانت المدينة هي المحطة الرئيسية الأولى في مالي لقوافل الحج والتجارة والمكتبات القادمة من فاس ومراكش، وستذوي المدينة خلال مرحلة الاستعمار الفرنسي بتهميشها تماما. في سنة 1912، أي تاريخ احتلال فرنسا للمغرب عسكريا، وصلت إلى غاو وتيمبوكتو، آخر قافلة جابت الصحراء الكبرى بين المغرب ومالي.
قبل وصولنا إلى غاو، حرص مدير مكتب “العون المباشر”في مالي، السيد عبد الكريم دَخَّان (جزائري)، على زيارة شخصية مشهورة في المنطقة في بلدة سيفاري، وتقع في منتصف المسافة بين تيمبوكتو وغاو. بلدة متواضعة بيوتها ومرافقها، يعمل أهلها في الزراعة والرعي والتجارة الصغيرة، وهي منطقة شبه صحراوية، فبعد هذه المناطق، تبدأ الصحراء الكبرى الهائلة في مالي.
كان لقاؤنا بهذا الرجل الفذّ في 1 أبريل 2001. دخلنا البلدة قبل الظهر وتوجهنا مباشرة إلى بيت حبيب الله وهو من قبيلة صونغاي إحدى كبريات القبائل في مالي. بيت ريفي متواضع مع حوش ملحق للأنعام. استقبلنا الرجل بحفاوة كبيرة وعناق صادق. كان في الستينات من عمره، لكنه ما يزال قوي البنية. كان يحاورنا بلغة عربية فصيحة، وأول ما أثار انتباهي في شخصيته، روح دعابة عفوية مسترسلة، وكانت الابتسامة لا تفارق محيّاه طوال الوقت الذي قضيناه معه.
حرص حبيب الله مايغا على استضافتنا للغذاء، ووجدنا صعوبة في إقناعه باعتذارنا بسبب طول المسافة إلى وجهتنا في غاو، فقبل على مضض. ولكونه كريم جدا، أخبرنا أنه يكون منشرحا جدا عندما يأتيه ضيف أو ضيوف، وأسرته كذلك، حتى حماره يكون نشطا ومنشرحا، أما عندما يخلو البيت من الضيوف، يصبح مزاج حماره سيئا.
قصة حياة حبيب الله مايغا، نموذج لشخصيات عديدة جدا عبر التاريخ في بلدان الساحل والصحراء الكبرى، بذلوا حياتهم وما يملكون للدعوة ولخدمة الثقافة الإسلامية واللغة العربية، وإحياء مبادئ الإسلام وقيمه وسيرة رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام في مجتمعاتهم، على مدى قرون. لقد شكّلت هذه الشخصيات، خاصية بارزة في الثقافات الاجتماعية للمجتمعات المحلية المسلمة، ليس في مالي فحسب، بل في سائر بلدان الحزام الإسلامي العظيم، من الصومال وإثيوبيا شرقا، إلى بلاد شنقيط والسينغال ونيجيريا على الواجهة الأطلسية. وفي الوقت الحالي، رأيت بعيني رأسي، أن هذه الخاصية، ما تزال حية ومنتشرة في كل هذه البلدان وعلى نطاقات واسعة.
أخبرنا مضيفنا أنه قضى 19 عاما في بلاد الحرمين مدرّسا في مكة والمدينة. لا غرابة، فهو وإن لم يشرح لنا كيف أصبح مدرّسا في بلاد الحرمين، فهو ببساطة، واحد من عدد كبير من الأفريقيين المسلمين الذين حرصوا على المجاورة لسنوات طويلة، في المسجد الحرام وفي مسجد الرسول في المدينة المنورة، على مدى قرون. البداية تكون دائما عبر الحج. كثيرون من هؤلاء ياتون للحج من بلدانهم ولهم أصلا نصيب محترم من الثقافة الإسلامية الموروثة، واللغة العربية، وحافظين لكتاب الله عز وجل، فكانت الحاجة إليهم ماسّة، لأن بلاد الحرمين كانت تفتقر آنذاك لرجال التعليم. يوجد الآن عدد كبير من السعوديين من أصول أفريقية، خاصة من مالي، وقد برز منهم دعاة شبان متميزون في طروحاتهم الدعوية ذات الطابع التربوي، الموجهة للفئات الشبابية، عبر يوتيوب وبودكاست وتلقى رواجا واسعا في عموم البلدان العربية، والرياضيون وعشاق كرة القدم في بلاد الحرمين، يعتزون بعدد من نجوم الرياضة ذوي الأصول الأفريقية.
عاد حبيب الله مايغا إلى بلده سنة 1982، بعد أن اقتنع بضرورة العودة والاستقرار نهائيا للتعليم والدعوة. ومن الطريف، كما أخبرنا، أنه طلّق زوجاته الثلاث في بلاد الحرمين قبل عودته، وكيف “أراحه الله” من أولاده منهن، إذ توفّاهم كلهم قبل عودته إلى مالي. العجيب كذلك، أنه شارك في حرب السويس سنة 1956 دفاعا عن مصر التي تعرضت للعدوان الثلاثي في الحرب التي شنّتها جيوش بريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني مجتمعة على مصر، بعد قرار جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس في نفس السنة. وعندما كان في السعودية، ذكر لنا أنه كان يعمل في وقت ما، في حلب الأبقار (100 بقرة يوميا تقريبا)، فقد كان حريصا على أن يأكل من عمل يده.
بعد عودته إلى بلده، كان يقسّم وقته على النحو التالي: ثلاثة أشهر للعمل في الزراعة، وثلاثة أشهر للتعليم والدعوة في النيجر المجاورة، وثلاثة أشهر لنفس لغرض في مالي، وثلاثة أشهر متنقلا بين بلدان غرب إفريقيا في نفس المهمة ومنها ساحل العاج (كوت ديفوار). أسس معهدا سمّاه “دار الحديث” تنظم فيه حلقات تكوينية للدعاة والأئمة، كما أسس مدرسة إسلامية يدرس فيها حوالي 450 من الأطفال ذكورا وإناثا. تماما مثل أخيه الحاج أبو بكر صو السينغالي الواردة قصته ا في الحلقة لأولى من هذه السلسلة.
توفي الشيخ حبيب الله مايغا، كما أخبرني السيدعبد الكريم دخّان، قبل حوالي عشر سنوات، مقبلا غير مدبر، عليه الرحمة والرضوان.





